حسن بن محمد بن حبيب النيسابوري
108
عقلاء المجانين
لقيط المصري قال ذون النون المصري مررت ذات يوم بلقيط المصري ، وهو يخط على الأرض بإصبعه ، فتأملت فإذا هو قد كتب : فلّ حياء الناس من ربهم . . . وكلهم يظهر تقواه ليس ينال المرء من دينه . . . ما نال في عاجل دنياه يخاف أن يمقته أهله . . . ولا يبالي مقت مولاه وعابد الله يرى برّه . . . في كل ما سرّ وما ساه همته في كل أسبابه . . . رضوان ذي العزة مولاه ميمون الواسطي قال المسيب بن شريك بلغني ان ميمون الواسطي المجنون أُدخل على الحجاج ابن يوسف وكان ميمون بليغاً عابداً فقال له الحجاج : أتجنن أهل مثل هذا الكلام وتسمى مجنوناً ؟ فقال يا حجاج ! إن أهل البطالة إذا نظروا لأهل المحبة سموهم مجانين وقد سبق القول منهم ، لو رأيتموهم لقلتم مجانين ، ولو رأوكم لقالوا : لا تضمنون بيوم الحساب ، وأنت يا حجاج ! لو كنت تؤمن بالله واليوم الآخر بكلية قلبك ، لشغلك عن أكل الطيب ، ولبس اللين ، ولكنه استقذرك ، فطردك ، ولو أرادك لاستعملك . إن الله عباداً مطهرين مطيعين ، بالعبادة مشتغلين ، وهم ثلاثة أصناف : فقوماً عبدوه شوقاً إليه ، فقلوبهم لا تشتغل بغيره ، لأن قلوبهم قد ألفت ، وسقاهم ربهم بكأس الوداد شربةً فقاموا شوقاً ، فلا تحط رحالهم إلا في قرب الله . فهم خاصته في أرضه . وقوماً عبدوه خوفاً من النار ، لما سمعوا قوله تعالى : " قووا أنفسكم وأهليكم ناراً " فحذروا وبادروا واجتهدوا