حسن بن محمد بن حبيب النيسابوري
109
عقلاء المجانين
خوفاً من النار من تحتهم ومن فوقهم وعن أيمانهم ، وعن شمائلهم . فالأفاعي تلسعهم ، والعقارب تلذعهم ، كلما استغاثوا جدد لهم العذاب ، وهو عدل من الرحمن . وقوماً عبدوه طمعاً في الجنة دار أوليائه ، محل أصفيائه . لما سمعوا قوله تعالى " سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " فصبروا على الألم ، حتى استوجبوا الرضى ، والعفو عما مضى ، فقلوبهم تحن إلى جوار الله سبحانه ، ليسكنهم في قصور من فضة ، وخيام مزينة ، ومجالس متخذة ، والحور أزواجهم ، والطير يظلهم ، والملائكة تخدمهم . فقال الحجاج يا ميمون ! وصفت الجنة ولم تصف أزواجها ، فهل لك أن أُريك شيئاً يذهل عقلك ، ويلجلج لسانك ؟ ثم نادى الحجاج يا أملس ! فخرجت جارية معتدلة القامة ، في حسن تام ، عليها قباء رقيق وهي تمشي وتخطر ، ولها ذوائب قد جللت أكتافها . فلما نظر إليها ميمون قال : ويحك يا حجاج ! ما تصنع بهذه الجارية ولها أجل مسمى ، وأيام محصاة ؟ ثم اخرج من كمه رغيفاً يابساً فقال يا حجاج ! انظر إلى هذا الرغيف ويبوسته ، إن أطعمته جائعاً ملهوفاً رجوت الله أن يزجني جارية كأن الشمس تطلع من بين عينيها ، وكأن الغنج يجري في حركاتها فأُطرب ، وتكلمني فأُنعم ، وأرجو أن أكون قد استوجبتها في هذا الوقت لقولي الحق ، وتركي الهوى . قال الحجاج يا ميمون : امدحني فأُحسن جائزتك . قال يا حجاج ! والله ما أعرف فيك خيراً فأقوله . وإن قلت ما أعرف فيك ذممتك ، ولكن ما أذم الناس ، لأن في نفسي ما شغلني عن عيب غيري . قال الحجاج : قد أمرت لك بأربعة آلاف درهم . قال : المال فرده إلى الموضع الذي سرق منه ، ولا تكن لصاً جواداً تجود به على من أن ذمك لا يضرك ، وإن مدحك لا ينفعك . خلي سبيلي أسأل الله بقوت يغني عن نوالك ونوال أضرابك . فخلى سبيله . وسيجئ باقي قصة ميمون معه . طيورية المجنون كان يحيى بن متمم الدوسي يقول : كان بدير العاقول مجنون يقال له طيورية