ابن حجر العسقلاني

32

تلخيص الحبير ( ط العلمية )

واستقرت ، فإذا أراد رافع رفعها بالجرح قيل له : ائت ببرهان على هذا أو فيمن لم يعرف حاله ، ولكن ابتدره جارحان ومزكيان ؛ فيقال إذ ذاك للجارحين : فسرا ما رميتماه به ، أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه لجريانه على الأصل المقرر عندنا ، ولا نطالبه بالتفسير إذ لا حاجة إلى طلبه . والفائدة الثانية : أنا لا نطلب التفسير من كل أحد ، بل إنما نطلبه حيث يحتمل الحال شكاً إما لاختلاف في الاجتهاد أو لتهمة يسيرة في الجارح أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح ، ولا ينتهي إلى الاعتبار به على الإطلاق ، بل يكون بين بين ، أما إذا انتفت الظنون ، واندفعت التهم ، وكان الجارح حبراً من أحبار الأمة مبرءاً عن مظان التهمة ، أو كان المجروح مشهوراً بالضعف ، متروكاً بين النقاد ، فلا نتلعثم عند جرحه ، ولا نحوج الجارح إلى تفسير ، بل طلب التفسير منه - والحالة هذه - طلب لغيبة لا حاجة إليها . وعلى سبيل المثال لا الحصر نحن نقبل قول ابن معين في إبراهيم بن شعيب المدني : إنه ليس بشيء ، وفي إبراهيم بن يزيد المدني : إنه ضعيف ، وفى الحسين بن الفرج الخياط : إنه كذاب يسرق الحديث ، وعلى هذا - وإن لم يبين الجرح - لأنه إمام مقدم في هذه الصناعة 1 جرح طائفة غير ثابتي العدالة والثبت ، ولا نقبل قوله في الشافعي ولو فسر وأتى بألف إيضاح لقيام الدليل القاطع والبرهان الساطع على أنه غير محق بالنسبة إليه . ولا يفوتني قبل إنهاء هذه القاعدة أن أنبهك أيها القارئ الواعي والخبير بهذه الصناعة أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين ، وأن لا تنظر إلى كلامهم بعضهم في بعض فإن قدرت على التأويل القائم على حسن الظن فدونك وإلا فغض الطرف ، واضرب صفحاً عما شجر بينهم ، فإنك إذا اشتغلت بذلك خشيت عليك الهلاك فالقوم أئمة أعلام ، ولأقوالهم محامل وليس لي ولك إلا الترضي عنهم ، والسكوت عما جرى بينهم كما يفعل فيما جرى بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين . نبذة عن المؤرخين المؤرخون لهم كبير سلطان في تطويع أقلامهم حيثما شاؤوا وكيفما أرادوا يضعون بها أناساً ويرفعون آخرين ؛ إما لتعصب أو جهل أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به أو لغير ذلك من الأسباب . والجهل والتعصب في المؤرخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل ، ولذلك وضع للمؤرخ شروط حتى يقبل مدحه وذمه .

--> 1 تاج الدين السبكي : قاعدة في الجرح والتعديل ص 52 .