البغوي
281
شرح السنة
بِمَا سَمِعت من الْعُلُوم مِنْهُ ، فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام أوصل الْفَوَائِد إِلَى الْعَامَّة بالخاصة . وَقيل : قَوْله « بالخاصة » ، أَي : من الْخَاصَّة ، أَي : يَجْعَل وَقت الْعَامَّة بعد وَقت الْخَاصَّة الَّذِي يخص بِهِ الْأَهْل ، فَإِذا انْقَضى ذَلِك الزَّمَان ، رد الْأَمر من الْخَاصَّة إِلَى الْعَامَّة فأفادهم . قَوْله : « يدْخلُونَ رَوَّادًا » . جمع رائد وَهُوَ الطَّالِب ، أَي : يدْخلُونَ عَلَيْهِ طَالِبين الْعلم ، وملتمسين الحكم من جِهَته . قَوْله : « وَلَا يفترقون إِلَّا عَن ذواق » . أصل الذواق من الطّعْم ، وَلَكِن ضربه مثلا لما ينالون عِنْده من الْخيرَات ، قيل : أَرَادَ لَا يفترقون إِلَّا عَن علم يتعلمونه يقوم لَهُم مقَام الطَّعَام وَالشرَاب . وَقَوله فِي وصف مَجْلِسه « لَا تؤبن فِيهِ الْحرم » ، أَي : لَا تذكرن بقبيح ، كَانَ مَجْلِسه مصونا عَن رفث القَوْل ، وفحش الْكَلَام ، وَمِنْه قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَدِيث الْإِفْك : أَشِيرُوا عَليّ فِي أنَاس أَبَنُوا أَهلِي ، أَي : اتهموها ، والأبن : التُّهْمَة ، يقَالَ : أبن يأبن : إِذا اتهمَ . قَوْله : « لَا يقبل الثَّنَاء إِلَّا من مكافئ » ، قَالَ القتيبي : مَعْنَاهُ : أَنه إِذا أنعم على رجل نعْمَة ، فكافأه بالثناء عَلَيْهِ ، قبل مِنْهُ ، وَإِذا أثنى عَلَيْهِ قبل أَن ينعم عَلَيْهِ ، لم يقبله . قَالَ أَبُو بكر الْأَنْبَارِي : هَذَا غلط . لِأَن أحدا لَا يَنْفَكّ من إنعام رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ الله بَعثه إِلَى النَّاس كَافَّة ، ورحم بِهِ ، وأنقذ بِهِ ، فنعمته سَابِقَة إِلَيْهِم ، لَا يخرج مِنْهَا مكافئ ، وَلَا غير مكافئ ، هَذَا فالثناء عَلَيْهِ فرض لَا يتم الْإِسْلَام إِلَّا بِهِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه كَانَ لَا يقبل الثَّنَاء عَلَيْهِ إِلَّا من رجل يعرف حَقِيقَة إِسْلَامه ، وَلَا يدْخل عِنْده فِي جملَة الْمُنَافِقين الَّذين يَقُولُونَ بألسنتهم