البغوي
69
شرح السنة
وَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نَحْنُ الْفَرَّارُونَ ، قَالَ : « بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ ، وَأَنَا فِئَتُكُمْ » . قَالَ أبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، وَقَالَ زُهَيْرٌ عَنْ يَزِيدَ ، قَالَ : « لَا بلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ » قَالَ : فَدَنَوْنَا فَقَبَّلْنَا يَدَهُ ، فَقَالَ : « أَنا فِئةُ المُسْلِمين » وقوْله : « فَحَاص » ، أَي : حاد عنْ طَرِيقه ، وَعدل عنْ وَجهه إِلى جِهَة أُخْرَى ، وقوْله : « أنْتُمُ العكّارُون » ، يُرِيد العائدون إِلى الْقِتَال والكرّارون ، يُقال : عكرتُ على الشَّيْء : إِذا عطفت عليْهِ وانصرفت إِليْهِ . وقوْله : « وَأَنا فِئتُكُمْ » ، يمهدِّ بِذلِك عذرهمْ ، وذلِك أَن الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى حرّم التولِّي عنِ الزَّحْف إِلَّا متحرفًا لقِتَال ، أوْ متحيزًا إِلى فِئَة ، وَكَانَ فِي ابْتِدَاء الإِسْلام يجب على الْمُسْلِمِين مصابرةُ الْعَدو إِذا كَانَ بِمُقَابلَة كُل مُسْلِم عشرَة من الْمُشْركين ، كَمَا قَالَ جلّ ذكرهُ : { إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } [ الْأَنْفَال : 65 ] ، ثُمّ خفف الله عَنْهُم ، فَأوجب المصابرة إِذا كَانَ بِإِزَاءِ كُل مُسْلِم مُشْرِكَانِ فَأَقل ، فَقَالَ جلّ جَلَاله وعظُم كبرياؤه : { الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } [ الْأَنْفَال : 66 ] . قَالَ ابْن عبّاس :