البغوي
15
شرح السنة
إِلى الْجِهَاد ، وذلِك لِأَن تجهيز الْغَازِي يضرُّ بأَهْله ، وفِي قُفوله إِلَيْهِم إزالةُ الضَّرَر عَنْهُم ، واستجمام للنَّفس ، واستعداد بِالْقُوَّةِ للعودِ . وَالْوَجْه الآخر : أَن يكُون أَرَادَ بِذلِك التعقيب ، وهُو رُجُوعه ثَانِيًا فِي الْوَجْه الّذِي جَاءَ مِنْهُ منصرفًا ، وَإِن لمْ يلق عدوا ، وقدْ يفعل الْجَيْش ذلِك لأحد أَمريْن : أَحدهمَا : أَن الْعَدو إِذا رَأَوْهُمْ قد انصرفوا عنْ ساحتهم أمِنوهم ، فَخَرجُوا من مكامنهم ، فإِذا قفل الْجَيْش إِلى دَار الْعَدو ، نالوا الفرصة مِنْهُم ، فَأَغَارُوا عَلَيْهِم . وَالْآخر : أَنهم إِذا انصرفوا من مغزاهم ظَاهِرين لمْ يأمنوا أَن يقفُو الْعَدو أَثَرهم ، فيوقعوا بِهِمْ وهُمْ غَارونَ ، فَرُبمَا استظهر الْجَيْش ، أوْ بعْضهم بِالرُّجُوعِ على أدراجهم ينقضون الطَّرِيق ، فإِن كَانَ من الْعَدو طلب ، كانُوا مستعدين للقائهم . قَالَ الإِمامُ : وقدْ صَحَّ عنْ أنس ، عنْ أبِي طلْحة : أَن نَبِي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، « كَانَ إِذا ظهر على قومٍ ، أَقَامَ بِعرصتِهِمْ ثَلَاثًا » . قوْله : « للجاعِلِ أجْرُهُ وأجْرُ الْغَازِي » ، فِيهِ ترغيبٌ للجاعل ورخصة للمجعول لهُ . واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي جَوَاز أَخذ الْجعل على الْجِهَاد ، فَرخص فِيهِ الزُّهْرِي ، ومالِك ، وأصْحاب الرّأْيِ ، ولمْ يجوّزه قومٌ ، رُوِي عنِ ابْن عُمر ، أنّهُ قَالَ : أرى الْغَازِي يَبِيع غَزوه ، وَأرى هَذَا يفِرُّ من غَزوه ، وَكَرِهَهُ عَلْقَمَة ، وَقَالَ الشّافِعِيُّ : لَا يجوز أَن يَغْزُو بجُعل ، فإِن أَخذه ، فعليْهِ رده ، وَقَالَ النّخعِي : لَا بَأْس بالإعطاء ، وأكره الْأَخْذ .