البغوي

62

شرح السنة

وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَغَيْرِهِمَا ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو الْوَلِيدِ ، شَهِدَ بَدْرًا ، وَعَائِذُ اللَّهِ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيُّ الشَّامِيُّ ، وُلِدَ عَامَ حُنَيْنٍ . قَوْلُهُ : « وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ » . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُقَالُ : بَهَتَ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ يَبْهَتُ بَهْتًا وَبُهْتَانًا ، وَهُوَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ الَّذِي يُبْهِتُ مِنْ شِدَّةِ نُكْرِهِ ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ ، فَيَبْقَى مَبْهُوتًا ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَذْفُ أَهْلِ الإِحْصَانِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ رَمْيُ النَّاسِ بِالْعَظَائِمِ ، وَمَا يُلْحِقُ بِهِمُ الْعَارَ وَالْفَضِيحَةَ . وَقَوْلُهُ : « تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ » ، ذِكْرُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مَعَ أَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُمَا فِيهِ ، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مُعْظَمَ أَفْعَالِ النَّاسِ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى الأَيْدِي وَالأَرْجُلِ ، لأَنَّهُمَا الْعَوَامِلُ ، وَإِنْ شَارَكَهُمَا سَائِرُ الأَعْضَاءِ ، كَمَا إِذَا أَوْلاهُ صَاحِبُهُ مَعْرُوفًا ، يَقُولُ : صَنَعَ فُلانٌ عِنْدِي يَدًا ، وَلَهُ عِنْدِي يَدٌ ، وَالصَّنَائِعُ : الأَيَادِي ، وَقَدْ يُعَاقَبُ الرَّجُلُ عَلَى جِنَايَةِ لِسَانِهِ ، فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا بِمَا كَسَبَتْ يَدُكَ ، وَالْيَدُ لَا فِعْلَ لَهَا فِيهِ . فَمَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَبْهَتُوا النَّاسَ افْتِرَاءً وَاخْتِلافًا بِمَا لَمْ تَعْلَمُوهُ مِنْهُمْ ، فَتَجْنُوا عَلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ، أَيْ : قِبَلَ أَنْفُسِكُمْ جِنَايَةً تَفْضَحُونَهُمْ بِهَا ، وَهُمْ بُرَآءُ ، وَالْيَدُ وَالرِّجْلُ كِنَايَةٌ عَنِ الذَّاتِ .