البغوي
41
شرح السنة
وَكَرِهُوا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ : أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا ، بَلْ يَقُولَ : أَنَا مُؤْمِنٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . لَا عَلَى مَعْنَى الشَّكِّ فِي إِيمَانِهِ وَاعْتِقَادِهِ مِنْ حَيْثُ عِلْمِهِ بِنَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ فِيهِ عَلَى يَقِينٍ وَبَصِيرَةٍ ، بَلْ عَلَى مَعْنَى الْخَوْفِ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ ، وَخَفَاءِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ أَمْرَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ يَبْتَنِي عَلَى مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْ عَبْدِهِ ، وَيَخْتِمُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، لَا عَلَى مَا يَعْلَمُهُ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَالاسْتِثْنَاءُ يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَفِيمَا خَفِيَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ ، لَا فِيمَا مَضَى وَظَهَرَ ، فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ فِي اللُّغَةِ لِمَنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ قَدْ أَكَلَ وَشَرِبَ أَنْ يَقُولَ : أَكَلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَشَرِبْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ : آكُلُ وَأَشْرَبُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَوْ قَالَ : أَنَا مُؤْمِنٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ يَجُوزُ ، لأَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، مُقِرٌّ بِهَا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ . قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : مَنْ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ : أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَهُوَ عِنْدَنَا مُرْجِئٌ يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ . وَقَالَ أَيْضًا : خَالَفَنَا الْمُرْجِئَةُ فِي ثَلاثٍ : نَحْنُ نَقُولُ : الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : قَوْلٌ بِلا عَمَلٍ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : لَا يَزِيدُ وَلا يَنْقُصُ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِالإِقْرَارِ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : نَحْنُ مُؤْمِنُونَ عِنْدَ اللَّهِ .