الفيض الكاشاني
17
التفسير الأصفى
( مثلهم ) أي : حالهم العجيبة . وإنما يضرب الله الأمثال للناس في كتابه لزيادة التوضيح والتقرير ، فإنها أوقع في القلب وأقمع للخصم . ( كمثل الذي استوقد نارا ) قال : " ليبصر بها ما حوله " ( 1 ) . ( فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ) " بإرسال ريح أو مطر أطفأها ، وذلك أنهم أبصروا بظاهر الايمان الحق والهدى ، وأعطوا أحكام المسلمين ، فلما أضاء إيمانهم الظاهر ما حولهم ، أماتهم الله وصاروا في ظلمات عذاب الآخرة " . كذا ورد ( 2 ) . ( وتركهم في ظلمت لا يبصرون ) قال : " بأن منعهم المعاونة واللطف ، وخلى بينهم وبين اختيارهم " ( 3 ) . ( صم بكم عمى ) قال : " يعني في الآخرة ، كما قال عز وجل : " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما " ( 4 ) . أقول : وفي الدنيا أيضا في بواطنهم من أمور الآخرة ، لأنهم سدوا مسامعهم من الاصغاء إلى الحق ، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم ، وأن يتبصروا الآيات بأبصارهم . ( فهم لا يرجعون ) عن الضلالة التي اشتروها إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه . ( أو كصيب من السماء ) : أو كمطر من العلا . قيل : يعني مثل ما خوطبوا به من الحق والهدى كمثل مطر ، إذ به حياة القلوب ، كما أن بالمطر حياة الأرض ( 5 ) . ( فيه ظلمت ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ) . مثل الشبهات والمصيبات بالظلمات ، والتخويف والوعيد بالرعد ، والآيات الباهرة المتضمنة للتبصير والتسديد بالبرق ، وتصاممهم عما يسمعون من الوعيد ، وما يطرقون به من النكايات ( 6 ) بحال من يهوله الرعد فيخاف صواعقه فيسد أذنه عنها ، مع أنه لا خلاص له
--> 1 - تفسير الإمام عليه السلام : 130 . 2 - تفسير الإمام عليه السلام : 130 . 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 123 ، الباب : 11 ، الحديث : 16 . 4 - تفسير الإمام عليه السلام : 130 - 131 . والآية في الاسراء ( 17 ) : 97 . 5 - جوامع الجامع 1 : 25 ، والتفسير الكبير ( للرازي ) 1 : 78 . 6 - نكيت في العدو نكاية : إذا أكثرت الجراح . أساس البلاغة : 655 ( نكى ) .