أحمد بن محمد الخفاجي

28

ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا

إِنه قطَع منه مَيداناً لم يصِلْ إليه الكُمَيْت ، ونَقَّي ألفاظَه وهذَّب معانيه فلم يقُل فيه ) لو ( ولا ) ليت ( . وبالجملة فهو في عصره إمام الدب المُقتدَى به ، والبليغ الذي لا تُثْمِر أغصانُ الأقلام إلا في رياض آدابه . ولما قدِم القاهرة أفاض عليَّ لباسَ مودة لم تُبْلَ عهودُها ، ألا حبَّذا إخْلاقُها وجديدُها ، ووَرّقُ الدنيا خَضِر ، وعُود الشباب غَضُّ نَضر ، والأدب لم يَعْفُ منارُه ، ولم تَخْبُ نارهُ وأنوارُه ، لا كاليوم إذ حام قومٌ حول حِماه ، فوقعوا في ظُلماتٍ ليس فيها عينُ الحياة ، وهو إذ ذاك أستاذ ومَلاذ ، تذوق أفهامُنا من موائد فوائده أنواعَ الملاَذّ ، فأتْحَفي بطُرَف أشعاره ، ونزَّه أحْدقَ فكري في حدائق آثارِه ، فأسكر سمْعِي بسُلافةٍ أدارتْها كؤوسُ بيانهِ ، وتقلَّدتُ بمذهب البُحْتُرِي في اجْتناءِ الورد من أغصانِه : واْسمَعْهُ ممَّن قاله تَزْدَدْ بهِ . . . عجباً فحسْن الوْردِ في أغْصانِهِ طالعتُ له فصلا في ديوانه ، الذي سماه ) صدح الحمام ، في مدح خير الأنام ( ذكر فيه نُبذاً من صفاتِه ، ومعاهِد أُنْسِه ولَذَّاتِه ، ومسارحِ آرام تِربه ولِدَاتِه ، وهو ) إني لَّما نشأتُ بمكة المُشرّفة ، والأماكن التي هي بالجَوْزاء مُمَنْطَقة ، وبالثُّرَيَّا مُشَنَّفَة ، وكساني الزمانُ قَشيِبَ برُودِه ، وطفِقْت أرْفُل ما بين عَقِيق