شمس الدين السخاوي
193
السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم
فهذا ما فتح الله - عزّ وجلّ - به في الجمع بين هذين الحديثين . وقد استروح الدّاودي المالكي ( 1 ) - رحمه الله - فقال في حديث الدعاء لأنس
--> = الْقُرْانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [ محمد : 24 ] ، فوضع قوم الكتب على تفضيل الغنى على الفقر . وألّف آخرون على تفضيل الفقر على الغنى ، وأغفلوا الحض على الوجه الذي يجب الحض عليه والندب إليه ، وأطنبوا في ذلك ، وعنف بعضهم بعضاً ، وطعن بعضهم على بعض . وأرجو لمن صحت نيته ، وخلصت لله طويته ، وكانت لوجهه مقالته ، وكان معه من العلم ما يسوغ له المقال والاستنباط أن يتغمده الله بعفوه ، ويجازيه على نيته ، ويصفح عن غفلته . إذ الناس ليسوا بمعصومين ، ولا بد لهم من السهو والغفلة في بعض الأحايين ، والله - جل وعلا - يؤيد بالتوفيق من يشاء فيما يشاء ، ولن تجتمع بفضله هذه الأمة على ضلالة » . وأخذ في سياق الآيات والأحاديث والآثار ، في كلام بديع له ، يأتي طرف منه في الهامش الآتي ، والله الهادي . وانظر : « فتح الرحيم الرحمن شرح لامية ابن الوردي ، المسماة « نصيحة الإخوان ومرشد الخُلاّن » » ( ص 100 - 103 ) . ( 1 ) قال في كتابه « الأموال » ( 176 - ط . مركز إحياء التراث المغربي أو ص 349 - 350 - ط . دار السلام ) : « ولم يأت في شيء من الحديث فيما علمناه أن النبي - عليه السلام - كان يدعو على نفسه بالفقر ، ولا يدعو بذلك على أحد يريد به الخير ، بل كان يدعو بالكفاف ، ويستعيذ من فتنة الفقر ، ومن فتنة الغنى . ولم يكن يدعو لأحد بالغنى إلا بشريطة يذكرها في دعائه » . ثم قال - رحمه الله تعالى - : « وما روي أنه قال : « اللهم من آمن بي وصدق بما جئت به ، فأقلل له من المال والولد » ، فهذا لا يصح ( ! ! ) في النقل ، ولا في الاعتبار ، ولو كان إنما دعا بذلك في المال وحده لكان محتملاً أن يدعو لهم بالكفاف ، وأما دعاؤه بالولد ، فكيف يدعو أن يقل المسلمون ؛ لأن في ذهاب النسل قلتهم وذهابهم ، وما يدفعه العيان فمدفوع عنه - صلى الله عليه وسلم - . وأيضاً فأحاديثه لاتتناقض ، فيكف يذم فقر معاوية ، ويأمر كعب بن مالك وسعداً ، أن يبقيا ما ذكر من المال ويقول « إنه خير » ثم يخالف ذلك » . وقد ثبت أنه دعا لأنس بن مالك فقال : « اللهم أكثر ماله وولده ، وبارك له فيما أعطيته » . قال أنس : فلقد أحصت ابنتي أني قدّمتُ من ولدي مقدم الحجاج البصرة مئة وبضعاً وعشرين نسمة لدعوة رسول الله وعاش بعد ذلك سنتين وولد له ، وبقي نعم ذريته بعده ، فلم يدع له بكثرة المال إلا وقد قرن =