شمس الدين السخاوي

194

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

أنه يدل على بطلان الحديث الآخر قال : « وكيف يصحُّ ذلك وهو - صلى الله عليه وسلم - يحضُّ على النكاح والتماس الولد » ؟ ! انتهى . والحكم عليه بالبطلانِ مع ما أسلفتُه من طرقه باطلٌ ، نعم هو لا يقاوِم حديث _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ = ذلك بقوله : وبارك له فيما أعطيته ، فإن قيل : فأي الرجلين أفضل ؟ المبتلى بالفقر أو المبتلى بالغنى ، إذا صلحت حالةُ كل واحد منهما ؟ قيل : السؤال عن هذا لا يستقيم إذ قد يكون لهذا أعمال سوى تلك المحنة يفضل بها صاحبه ، ويكون لصاحبه أعمال يفضل بها من يساويه في تلك الحالة ، وقد يكون هذا الذي صلح حاله على الفقر قد لا يصلح حاله على الغنى ، ويصلح حاله الآخر على الفقر والغنى ، وقد تختلف حالتهما في غير ذلك . فإن قيل : فإن كان كل واحدٍ منهما تصلح حالته في الأمرين وهما في غير ذلك من الأعمال متساويان ، وأدى الفقير ما يجب عليه في فقره من الصبر والعفاف والرضى ، وأدى الغني ما يجب عليه من الإنفاق والبذل والشكر والتواضع ، فأي الرجلين أفضل ؟ فعِلْم هذا عند الله ، مع أن قوماً ذهبوا إلى تفضيل الفقير لحديث : « إن الفقراء يدخلون الجنة وأصحاب الجدّ محبوسون للحساب » . وقالوا : إنما يحبس هذا للتفاخر والتكاثر ، وأما من أدى حقَّ الله في ماله ، ولم يرد به التفاخر والتكاثر ، وأهلك منه ما قدر له في حقه ، وأرصد بباقيه الحاجة إليه ؛ فليس أولئك منه السبق لشيء . ويدل على هذا ما ثبت عن النبي - عليه السلام - أنه قال : « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحقِّ ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها » . وفي حديثٍ آخر : « رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحقِّ ، ورجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار » . فقد بيَّن - صلى الله عليه وسلم - أنه لا شيء أرفع من هاتين الحالتين ، وهو المبيِّن عن الله معنى ما أراد ، ولو كان من كانت هذه حالته مسبوقاً في الآخرة لما حضَّ الرسول - عليه السلام - على أن يتنافس في عمله ولا وصفه بهذه الصفة » . فما أورده المصنف عن الداودي هو لفظ نقل ابن حجر في « الفتح » ( 11 / 138 ) عنه ، ولعله منقول من « شرحه على صحيح البخاري » ، وهو من مصادر ابن حجر كما في « معجم المصنفات الواردة في فتح الباري » ( ص 232 رقم 680 ) ، ومما كتبته في التعريف به فيه : « صرح عبد السلام المباركفوري في « سيرة الإمام البخاري » ( 196 ) أنه رأى نسخة قديمة منه ، كان يملكها الشيخ نذير حسين الدهلوي » ، ولعله من تصرف ابن حجر - كعادته - في النقل ، إذ وجدتُ ابن بطال في « شرحه على صحيح البخاري » ( 10 / 171 ) ساقه كما أثبتناه ، وعنده كلام الداودي برمته ، وقال عنه : « أحسن ما رأيت في هذه المسألة » ، أي : التفصيل بين الغني والفقير .