شمس الدين السخاوي

192

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = الرابعة : وللشاطبي في « الموافقات » ( 5 / 366 - 367 - بتحقيقي ) كلمة قوية جداً ، فيها تأكيد للقول بالتفصيل من خلال جمع ما ورد في الباب حول المال ، ثم ذكر حال الصحابة في ذلك ، وجعل هذه المسألة تحصيل حاصل ثمرة لهذا الأصل ، قال بعد كلامٍ عن الدنيا وملذّاتها بما فيها المال : « ولأجله كان الصحابة طالبين لها ، مشتغلين بها ، عاملين فيها ؛ لأنها من هذه الجهة عون على شكر الله عليها ، وعلى اتخاذها مركباً للآخرة ، وهم كانوا أزهد الناس فيها ، وأورع الناس في كسبها ؛ فربما سمع أخبارهم في طلبها من يتوهم أنهم طالبون لها من الجهة الأولى لجهله بهذا الاعتبار ، وحاش لله من ذلك ، إنما طلبوها من الجهة الثانية ؛ فصار طلبهم لها من جملة عباداتهم ، كما أنهم تركوا طلبها من الجهة الأولى ؛ فكان ذلك - أيضاً - من جملة عباداتهم ، رضي الله عنهم ، وألحقنا بهم ، وحشرنا معهم ، ووفقنا لما وفقهم له بمنه وكرمه . فتأمل هذا الفصل ؛ فإن فيه رفع شبه كثيرة ترد على الناظر في الشريعة وفي أحوال أهلها ، وفيه رفع مغالط تعترض للسالكين لطريق الآخرة ؛ فيفهمون الزهد وترك الدنيا على غير وجهه ؛ كما يفهمون طلبها على غير وجهه ؛ فيمدحون ما لا يمدح شرعاً ، ويذمون ما لا يذم شرعاً . وفيه - أيضاً - من الفوائد : فصل القضية بين المختلفين في مسألة الفقر والغنى ، وأن ليس الفقر أفضل من الغنى بإطلاق ، ولا الغنى أفضل بإطلاق ، بل الأمر في ذلك يتفصل ؛ فإن الغنى إذا أمال إلى إيثار العاجلة كان بالنسبة إلى صاحبه مذموماً ، وكان الفقر أفضل منه ، وإن أمال إلى إيثار الآجلة ؛ بإنفاقه في وجهه ، والاستعانة به على التزود للمعاد ؛ فهو أفضل من الفقر ، والله الموفق بفضله » . قال أبو عبيدة : ينبغي للمؤمن العاقل الفهم عن الله - تعالى - وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يتشبه بالسلف الصالح في أخذ المال والتمتع بملذات الدنيا ، ولا يتشبه بالبهائم التي لا تعقل . الخامسة : وأخيراً ، من أجمع ما وقفتُ عليه في هذه المسألة مبحث عزيز ، فيه تأصيل وتدليل ، ينصر ( التفصيل ) في ( التفضيل ) ، وضعه العلاّمة أحمد بن نصر الداودي في آخر كتابه « الأموال » ( ص 171 - 178 - ط . المغربية ، أو ص 341 - 352 - ط . دار السلام - القاهرة ) وعليه مؤاخذة ، سيتعقبه المصنف ( السخاوي ) في كلامه الآتي ، وصدر كلامه بقوله على المسألة : « أتى من النص في ذكر الكفاف ، وذكر الفقر والغنى ، ما فيه لمتأمله من العلماء بيان وشفاء أن الفضل في الكفاف ، وأن الفقر والغنى محنتان من الله ، وبليتان يبلو بهما أخيار عباده ليبدي صبر الصابرين ، وشكر الشاكرين ، وطغيان المبطرين ، واستكثار الأشرين . وإنما فيه إشكال على الجاهلين والمقصرين ، ومن لم يتأمله من الراسخين . يقول الله - تعالى - : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وقال : { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ } [ العنكبوت : 43 ] ، وقال : { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ =