شمس الدين السخاوي
184
السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> = بقوله : « إن الفقراء أكثر في الدنيا فهم أكثر في الجنة ، ولا يلزم من ذلك علو الدرجة ، ولا يلزم من سبقهم للدخول أن تكون درجتهم أعلى ، أو مساوية » . انظر : « الذخيرة » ( 13 / 331 - 333 ) . وأورد السرخسي في « شرح الكسب » ( ص 120 - 121 ) مناظرة في المسألة ، وجهها على تفضيل ( الفقر ) على ( الغنى ) ، قال : « وحكي أن غنياً وفقيراً تناظرا في هذه المسألة ، فقال الغنيّ : الغنيُّ الشاكر أفضل ، فإن الله - تعالى - اسْتَقْرَضَ من الأغنياء ، فقال - عز وجل - : { مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ البقرة : 245 ] ، وقال الفقير : إن الله - تعالى - إنما استقرضَ من الأغنياء للفقراءِ ، وقد يُستقرضُ من الحبيب وغير الحبيب ، ولا يُستقرضُ إلاَّ لأجل الحبيب » ، ثم وجه التفضيل بقوله : « يوضِّحه أن الغني يحتاج إلى الفقير ، والفقيرَ لا يحتاج إلى الغني ؛ لأن الغنيّ يلزمه أداء حقّ المال ، فلو اجتمع الفقراء عن آخرهم على أن لا يأخذوا شيئاً من ذلك ، لم يُجبروا على الأخذ ، ويُحمدون شرعاً على الامتناع عن الأخذ ، فلا يتمكن الأغنياءُ من إسقاطِ الواجب عليهم عن أنفسهم ، والله - تعالى - يُوصلُ إلى الفقراء كفايتهم على حسب ما ضَمِنَ لهم . فبهذا تبيّن أن الأغنياء هم الذين يحتاجون إلى الفقراء ، والفقراء لا يحتاجون إليهم بخلاف ما ظنّه من يعتبرُ الظاهر ، ولا يتأمّلُ في المعنى . فاتَّضح بما قررنا أن الفقيرَ الصابرَ أفضلُ من الغنيِّ الشاكر ، وفي كلٍّ خير » انتهى . ويجاب عليه : بأنه عند احتمال وقوع هذه الصورة الخيالية ، يضعُ الغنيُّ زكاتَه في بيت المال ، وتبرأ ذمته بذلك تمام البراءة ، وكم في الدنيا من فقراء يتلهفون على الفَلْس والدرهم ؟ ! ولا يتعيّن في الزكاة تقديمُها لفقيرِ بلدِ المال . فالصورة هنا خيال في خيال ، لا يصح أن تُساق في ترجيح دليل أو استدلال ؟ ! وأمّا من فضّل الغنى على الفقر ، فقد احتج - أيضاً - بمجموعة من النصوص ، أسوق أولاً تتمة كلام القاضي أبي الحسين في « التمام » ( 2 / 305 ) . قال : « ووجه الثانية : ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في دعائه : « اللهم إني أعوذ بك من غنى يبطر ، ومن فقر مترب » . وقال - عليه السلام - : « من طلب الدنيا حلالاً واستعفافاً عن المسألة ، وسعياً على عياله ، وتعطفاً على جاره ، جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ، ومن طلب الدنيا حلالاً مكاثراً مفاخراً لقي الله وهو عليه غضبان » » . انتهى كلامه . قال أبو عبيدة : الحديثان - عندي - لم يثبتا ، والثاني منهما أخرجه الطبراني في « مسند الشاميين » ( 4 / 330 رقم 3465 ) ، وأبو نعيم في « الحلية » ( 3 / 110 و 8 / 215 ) ، والبيهقي في « الشعب » ( 7 / 298 =