شمس الدين السخاوي
11
السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم
وهذه النعم هدايا من الله للعبد ، وهل يليق بالعبد عدم قبول هدية السيد ؟ هذا غير لائق في محاسن العادات ، ولا في مجاري الشرع ، بل قصد المهدي أن تقبل هديته ، وهدية الله إلى العبد ما أنعم به عليه ، فليقبل ، ثم ليشكر له عليها . والخلاصة ؛ إنَّ المال لا بدَّ أن يكون خادماً لأصل ضروري أو حاجي أو تكميلي ، ويراعى إمساكه وتحصيله من جهة ما هو خادم له ، فيكون مطلوباً ومحبوباً فعله ، وذلك أن التمتع بما أحل الله - عز وجل - من المأكل والمشرب ونحوهما : مباح في نفسه ، وإباحته بمفرداته المتعددة ، خادمة لأصل ضروري ، وهو إقامة الحياة ( 1 ) ، فهو معتبر ومحبوب بالنسبة إلى حقيقته الكلية ، لا إلى اعتباره الجزئي ، ومن هنا يصح كونه هدية يليق فيها القبول دون الرد ، لا من حيث هو جزئي معين . أما إن عاد المال لنقض أصلٍ من أصول الشرع ، والاعتداء على المقاصد الكلية ، بالاعتداء على العرض ، أو العقل ، أو البدن ، أو النسل ، أو الدين ؛ فهذا هو المذموم ، ويسمى أخذه : رغبة في الدنيا ، وحباً في العاجلة ، وضده هو الزهد فيها ، وهو تركها من هذه الجهة ، ولا شك أن ذلك مطلوب . ولذا فالفصل في المسألة : أن ذم المال بإطلاق لا يستقيم ، كما أن مدحه بإطلاق لا يستقيم ، يوضّحه : مسألة الحجر على السفيه ، الذي يضع المال في غير موضعه ( 2 ) ، ومسألة النفقات وأحكامها ، فالقاعد عن العمل معرض نفسه للمسألة ،
--> = وعذاب . أخرجه البخاري ( 4939 ) ومسلم ( 2876 ) من حديث عائشة ، وإلا ؛ لم تكن النعم خالصة للمؤمنين يوم القيامة ، وإليه يرجع قوله - تعالى - : { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ } [ الأعراف : 6 ] . أعني : سؤال المرسلين . ويحققه أحوال السلف ، كما سيأتي التنويه عليه . ( 1 ) قال ابن حزم في « الأخلاق والسير » ( ص 175 - ط . عبد الحق ) : « ينبغي للكريم أن يصون جسمه بماله ، ويصون نفسه بجسمه ، ويصُونَ عرضه بنفسه ، ويصون دينه بعرضه ، ولا يصون بدينه شيئاً أصلاً » . فلله درُّه ما أدقّه ! وأبعد غوره وفهمه ! ( 2 ) من بديع ما يذكر في هذا الباب : ما قاله ابن حزم في « المحلى » ( 10 / 100 ) : « فإضاعة المال حرام ، وإثم وعدوان بلا خلاف » . وقال عن إهمال ( إصلاح المال ) : =