شمس الدين السخاوي
10
السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم
وتأمل حادثة سلمان وأبي الدرداء ، فيما أخرج البخاري ( 1968 ، 6139 ) ومسلم ( 182 ) عن أبي جحيفة قال : آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين سلمان وأبي الدرداء ، فزار سلمان أبا الدرداء ، فرأى أم الدرداء - وهي زوجه - متبذِّلة ؛ فقال لها : ما شأنك ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا . فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً ، فقال له : كل فإني صائم . فقال : ما أنا بآكل حتى تأكل ؛ فأكل . فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم ، فقال : نم . فنام ، ثم ذهب ليقوم ؛ فقال : نم . فلما كان آخر الليل قال سلمان : قم الآن . فصلينا فقال له سلمان : « إن لربِّك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حقٍّ حقّه » ( 1 ) . فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك ؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « صَدَقَ سلمان » . يتبين لنا من هذا أن الفعل والترك يتعلق بهما الحساب ، وإذا كان كذلك ، فلم يبق مجالاً لذم المال من هذا الوجه . * فصل النزاع : والصواب في هذا الباب : أن تناول المباح ، وتحصيل المال من حلِّه ؛ لا يصح أن يكون صاحبه محاسباً عليه بإطلاق ، وإنما يحاسب على التقصير في الشكر عليه ، إما من جهة تناوله واكتسابه ، وإما من جهة الاستعانة به على التكليفات ، فمن حاسب نفسه في ذلك وعمل على ما أمر به ، فقد شكر نعم الله ، وفي ذلك قال الله - تعالى - : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ } إلى قوله : { خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [ الأعراف : 32 ] ( 2 ) .
--> ( 1 ) أشدُّ واجب وأهمه في شرع الله تعالى - في نظري - : إعطاء كل ذي حق حقه ، فالنفوس ترغب ، والأهواء تميل ، وقد يكون ذلك مع شيء يحبه الله - تعالى - ، ولكن ( إعطاء كل ذي حق حقه ) يحتاج إلى إرادة تامة صحيحة ، وتصوّر جملي سليم ، والله الموفق . ( 2 ) يؤكد ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر ( الحساب اليسير ) في قوله - تعالى - : { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ . فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } [ الانشقاق : 7 - 8 ] بأنه العرض ، لا الحساب الذي فيه مناقشة =