محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
70
الإنجاد في أبواب الجهاد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> = وكذا إن كان متأولاً ، وتأويله صحيحاً ، كإقامته بدار الحرب ؛ لرجاء افتكاكها وإرجاعها للإسلام ، أو لهداية أهل الكفر أو نقلهم عن ضلالةٍ ما . . . » . ومما لا شك فيه أن هذا كله منوط بالقدرة والاستطاعة ؛ لقوله - تعالى - : { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] ، ولقوله - سبحانه - : { فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن : 16 ] ، فإن لم يجد المسلم أرضاً يأوي إليها غير الأرض التي هو فيها ؛ يأمنُ فيها على دينه ، وينجو من الفتنة الواقع فيها ، أو حيل بينه وبين الهجرة بأسباب مانعةٍ قاهرةٍ لا يستطيعُ تذليلها ، أو استوت الأرض كلها في الأسباب والدواعي الموجبة للهجرة ، أو علم في نفسه أن بقاءه في أرضه آمن لدينه ونفسه وأهله ، أو لم يكن من مُهاجَر إلا إلى أرض يحكم فيها بالكفر الصّراح علانية ، أو كان بقاؤه في أرضه المأذون له بالهجرة منها محققاً مصلحة شرعية ، سواءٌ أكانت هذه المصلحة للأمة ، أم بإخراج أهل الكفر من كفرهم ، وهو لا يخشى الفتنة على نفسه في دينه ، فهو في هذه الأحوال كلّها ، وفي الأحوال التي تحاكيها ، ليس في وسعه إلا أن يبقى مقيماً في أرضه ، ويُرجَى له ثواب المهاجرين ، فراراً بدينهم ، وابتغاء مرضاة ربهم . قال البرزلي في « فتاويه » ( 2 / 30 ) فيما نقله عن ابن الحاج في كتابه « النوازل » ، قال : « من خرج من وطنه فاراً بنفسه وماله وولده مخافة العدو وفرضته ، فلما اتصل ببلد الإسلام أراد الرجوع لوطنه المذكور وهو على ما ذُكر من الخوف من العدو ، وهل يكون في رجوعه من المرابطين ، أو من المغرّر بنفسه ، أو بقاؤه في موضعه أفضل ، أو في زعمه أنه يكون مرابطاً وأفضل لزيارة أهله ؟ جوابها : رجوعه لوطنه وتلافيه المخافة وتكثير عدد المسلمين أفضل من بقائه في الموضع الذي هو فيه . ولزومه للموضع المخوف من أبواب الرباط ، والترغيب فيه مأثور . فقد روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : « كل الميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو له عمله ويؤمن من فتان القبر » . قلت : رجوعه لوطنه بنفسه لا بأهله لقوله في السؤال ( بنفسه ) وقوله : وأفضل له لزيارة أهله ؛ لأن الرواية عن مالك أنه لا يكون مرابطاً إذا كان بأهله . وحكى ابن رقيق في ترسيم القيروان أنها دون ما تقصر فيه الصلاة من العدو من أجل أن يكتب لهم فضل الرباط . وكذا ما حكى أن أهل تونس كانوا يكبرون بعد العشاء الآخرة والصبح قبل هذا الزمان ، ويقولون إنّ مالكاً نصّ على أنها الرباط في كتاب الحبس منها . فظاهر هذا أنه مرابط ، ولو كان بأهله . وإن كان بعضهم أنكر هذا الأخذ ، ويحملها على من ليس له بها أهل . وقال شيخنا الفقيه الإمام : يختار إن سكنها برسم الرباط وجلب الأهل للإعانة عليه فهو مرابط ، وإن سكن بغير أهل أفضل ، وإن اتخذها وطناً من غير هذه النية ؛ فليس بمرابط . ورسم الرباط هو موضع الحرس في الأوقات التي يتوقع فيها العدو . فلو كان العدو حاضراً أو توقع حضوره فهو الحرس » . =