محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

71

الإنجاد في أبواب الجهاد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = وقال الإمام النووي في « الروضة » ( 10 / 282 ) - متمماً كلامه الذي نقلته عنه قبل - : « . . . فإن لم يقدر على الهجرة فهو معذور إلى أن يقدر » . قلت : ولا تعارض بين قوله - صلى الله عليه وسلم - : « لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونيّة » ، وقوله : « لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو » . فأنقل إليكم ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في الحديثين المذكورين ، وأنه لا تعارض بينهما ، فقال في « مجموع الفتاوى » ( 18 / 281 - وما بعدها ) : « وكلاهما حق ، فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه ؛ وهي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب ؛ فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب ، وكان الإيمان بالمدينة ، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها ، فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام ، ودخلت العرب في الإسلام ، صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام ، فقال : « لا هجرة بعد الفتح » ، وكون الأرض دار كفر ودار إيمان ، أو دار فاسقين ، ليست صفة لازمة لها : بل هي صفة عارضة بحسب سكانها ، فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت ، وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت ، وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت ، فإن سكنها غيرُ ما ذكرنا ، وتبدلت بغيرهم فهي دارهم . وكذلك المسجد إذا تبدَّل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو كنيسة ، يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه ، وكذلك دار الخمر والفسوق ونحوها إذا جعلت مسجداً يعبد الله فيه - جل وعز - كان بحسب ذلك ، وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقاً ، والكافر يصير مؤمناً ، أو المؤمن يصير كافراً ، أو نحو ذلك ، كل بحسب انتقال الأحوال من حال إلى حال ، وقد قال - تعالى - : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً } [ النحل : 112 ] الآية ، نزلت في مكة لما كانت دار كفر ، وهي ما زالت في نفسها خير أرض الله ، وأحب أرض الله إليه ، وإنما أراد سكانها ، قد روى الترمذي مرفوعاً أنه قال - صلى الله عليه وسلم - لمكة وهو واقف بالحزورة : « والله إنك لخير أرض الله ، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أن قومي أخرجوني منك لَمَا خرجت » [ وإسناده صحيح ، انظر : « المشكاة » ( 2725 ) ] . وفي رواية : « خير أرض الله ، وأحب أرض الله إليَّ » ، فبيَّن أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله ، وكان مقامه بالمدينة ومقام من معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة لأجل أنها دار هجرتهم ؛ ولهذا كان الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة والمدينة ، كما ثبت في « الصحيح » : « رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ، ومن مات مرابطاً ، مات مجاهداً ، وجرى عليه عمله ، وأجرى رزقه من الجنة ، وأمن الفتان » [ رواه مسلم ] . وفي « السنن » عن عثمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : « رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل » [ حسَّنه الترمذي ، وصححه الحاكم والذهبي ] . =