محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
69
الإنجاد في أبواب الجهاد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> = أهل الذمة المقيمين تحت سلطة المسلمين ، ذلك أنَّ الإسلام يتميز برعايته الخاصة لأهل الذمة وبضمانه لكافة حقوقهم ، والتاريخ شاهد بأن أهل الذمة عاشوا دائماً تحت السلطة الإسلامية معززين مكرمين ، ولم يتعرضوا أبداً لتلك الإبادة الوحشية التي تعرض لها المسلمون بالأندلس ، والذين وجدوا أنفسهم أمام اختيارين لا ثالث لهما ، فإما أن يهاجروا وإما أن يتنَصَّرُوا . ومن ثم كان من المنطقي أن يدعو الونشريسي وغيره من المسلمين إلى الهجرة صيانة للدين الإسلامي وإنقاذاً للمسلمين ، وكان من المنطقي - أيضاً - أن يكفروا من قدر على الهجرة ولم يهاجر ؛ لأن إقامته بأرض الكفر تعرض الدين لمخاطر كثيرة . ويعتبر هذا الحكم الذي رآه الونشريسي وغيرهُ من الفقهاء موقفاً معقولاً وواقعياً ، إلا أن الغريب حقاً هو أنهم لم يهتموا اهتماماً كافياً بالطرف الآخر من المشكلة وهو : إلى أين يهاجر هؤلاء ؟ وواجب المسلمين الآخرين في استقبالهم وإيوائهم وحمايتهم ، ومن الذي يتحمل هذه المسؤولية ، هل الأقرب أم الأقوى ؟ فهل كان الأمر عندهم مفروغاً منه ولا يحتاج إلى إفتاء ؟ أم أنهم لم يرغبوا في إثارته لأسباب خاصة ؟ ! والواقع أن أمر الهجرة لم يكن أمراً يسيراً على كل حال ، فقد اعترضت المهاجرين عراقيل مختلفة ، كان منها ماتكلفه هذه الهجرة من تضحيات مادية ، ومايحسه المهاجر من فروق بيئته القديمة التي هاجر منها ، والبيئة الجديدة التي هاجر إليها . إلا أن هذه العراقيل لا ينبغي أن تكون مسوِّغاً للقول بالإقامة بأرض الكفر وعدم الهجرة منها ؛ لأن حل المشكلة يكمن في القضاء على تلك العراقيل وتذليلها وليس في العدول عن الهجرة بالمرة ، ويخطيء من يثير قضية الوطن في هذا الموضوع ، فالمسلم لا يرتبط بالأرض ، ولكنه يرتبط بدينه ، فأينما تحققت مبادئ الإسلام وضمنت الحقوق الإسلامية فثمة وطن المسلم ، وهذا لا يعني أننا ننكر مشاعر الإنسان ولا إحساسه تجاه وطنه ، ولكننا ننكر أن ينتفخ هذا الإحساس ويتضخم إلى درجة أن يصبح في حجم الدين بالنسبة للمسلم . ففكرة الوطنية كانت من أشد ما ابتلي به الإسلام في الحقبة الأخيرة ، إلى جانب القوميات القائمة على أساس الجنس . وكما نرى ، فالإمام الونشريسيُّ لم يقم أي وزن لاعتبار المصلحة في فتواه ، بينما يرى الإمام المازريُّ مراعاة المصلحة في ذلك ؛ فقد سئل عن أحكام قاضي صقلية وشهادة عدولها ، ولا يدري السائل إقامة المسلمين هنالك تحت الكفر : اختيارية أم ضرورية ؟ فكان من ضمن ما أجاب به المازري قوله : « وهذا المقيم ببلد الحرب ، إن كان اضطراراً فلا شكَّ أنه لا يقدح في عدالته ؛ وكذا إن كان اختياراً ، جاهلاً بالحكم ، أو معتقداً للجواز ، إذ لا يجب عليه أن يعلم هذا الطَّرف من العلم وجوباً يقدح تركه في عدالته . =