محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

565

الإنجاد في أبواب الجهاد

نزعوا لا يُقدرُ عليهم إلا بمؤنة ، فإنه لا يُقبلُ منهم ما دَعوا إليه ، إلاَّ على الارتحال مع المسلمين ، وتَخْلِيَةِ بلادهم . ومن الشروط على أهل الجزية : أخذهم السنة ( 1 ) بالمنع والكفِّ عن تناول شريعة المسلمين ومِلَّتهم ، وتوَقِّي ما يقدح في شيءٍ من أمور دينهم بشيءٍ من المَعابةِ والطَّعن والاستخفاف ، وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير ما يحِقُّ له ، ولو لم يُقرُّوا بصحة ذلك ، ومنعهم ( 2 ) من الدعاء لدينهم ، والإعلان بمعالم شرعهم في أمصار المسلمين : من ضربِ النواقيس ، وبناء الكنائس ، ومجتمع الصلوات ، وإظهار الصَّليب ونحو ذلك . ومن ذلك : منعهم من الإفصَاحِ والإعلان بشرْكِهم ، وما يَنحلُون لله من الصاحبة والولد ، تعالى الله عن قولهم عُلوّاً كبيراً . ومن ذلك : منعهم من إظهار ما يستبيحونه من شرب الخمور ، ومواقعة الفجور ، وغير ذلك ، مِمَّا لا يحل للمسلمين - مع الاطلاع عليه - إقراره . ومن ذلك : أن تجري عليهم أحكام المسلمين متى دعاهم إلى ذلك خَصْمٌ ، أو متى ظهَرَ منهم ظلم . هذه كلها شروطٌ واجبةٌ لا ينبغي إسقاطُها ، ولا تَرْكُ العمل بشيءٍ منها ، ولا تحلُّ إجابةُ الكفار إلى أن يشترطوا إسقاط ذلك عنهم أو شيءٍ منه ، ولا يجب الوفاء لهم به إن التزمه لهم من يَعقد على المسلمين ، مِمَّن لعلَّه يجهل ذلك . والدليل على صحة هذه الجُمْلة : قولُ الله - عز وجل - : { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } [ النساء : 140 ] ، وقوله - تعالى - : { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا } [ التوبة : 40 ] ، وقوله - تعالى - : { كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ } [ المائدة : 8 ] ، وقوله - تعالى - : { وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى

--> ( 1 ) فوق كلمة ( السنة ) علامة استفهام ، وكأن الناسخ شك في صحة رسمها على هذا الوجه ! . ( 2 ) في هامش المنسوخ بعدها : « التبشير » . فتصبح العبارة : « ومنعهم التبشير من الدعاء لدينهم » .