محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

564

الإنجاد في أبواب الجهاد

فأمَّا مصالحة من صولح من العدو على مالٍ يُؤدّونه ، وإقرارهم هناك على حالِ مملكتهم ومنعتهم ؛ فليس هذا من باب الجزية في شيء ، وهي مهادنة ، ولا تجوز إلا لضرورة كما قدَّمنا في ذلك . والجزيةُ مشروعةٌ ، مأمورٌ بقبولها ، والكفُّ عنهم إذا بَذلوها على شروطها ، فأمرها مختلف في الوجوب والحظر . قال عبد الملك بن حبيب ( 1 ) : إذا نزل جيش المسلمين على حصنٍ ، فحاصروه الأيام ، فدعا أهله إلى المصالحة على مالٍ يدفعونه ويُرحلُ عنهم ، فلا يجوز قبوله إنْ رجَا المسلمون افتتاحَه ، وليمضوا على محاصرتهم ، وإن يئسوا من افتتاحه ، بما عسى أن يَتَسنَّ ذلك لهم ، فلهم أن يقبلوا ذلك ، ولهم أن يحاصروا إن كانت بهم قوة على ذلك ، قال : وإنْ دَعَوْا إلى الجزية ، فإن كانوا بالموضع الذي يكون عليهم فيه سلطان الإسلام ، ويتولاّهم من المسلمين والٍ تتأَدَّى إليهِ جِزيتهم ، ويخالطهم المسلمون ، وتكون قوتهم مُنبسِطة ، كما هي على المعاهدين وأهل الذمة ؛ لقربهم من دار الإسلام ، فلازمٌ لوالي الجيش أن يقبل ذلك منهم ، وإن لم يكونوا عنده بهذه ( 2 ) الصفة ، وكانوا في بُعْدٍ من دار الإسلام ، وبحيث إن شاؤوا بعد قفول الجيش عنهم مَنعوا جِزيتهم ، وعادوا حرباً ؛ فلا يقبل ذلك منهم ، حتى ينتقلوا من دارهم تِلك إلى دار الإسلام ، فإن أجابوا إلى ذلك وإلا فالسَّيْف . قال : وهكذا سمعت مُطرِّفاً ، وابنَ الماجشون ، وابن عبد الحكم ، وأصْبَغَ يقولون . قال عبد الملك : وهذا تفسير قول مالكٍ ؛ قد قال مالك محمّلاً كل قومٍ من العدوّ دعوا إلى الجزية حين أحيط بهم ، فإنهم إن كانوا بموضعٍ يقدر عليهم المسلمون إنْ نزعوا ، قُبِلَ ذلك منهم ، وأُقِرُّوا في بلادهم ، وإن كانوا بموضعٍ إن

--> ( 1 ) انظر : « النوادر والزيادات » ( 3 / 341 ) . وانظر : « البيان والتحصيل » ( 3 / 64 ) ، فقد ذكر نحو الكلام الآتي عن ابن وهب . ( 2 ) وضعت كلمة ( بهذه ) في المنسوخ بين معكوفتين ، وكتب الناسخ في الهامش : ليست في الأصل .