محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

552

الإنجاد في أبواب الجهاد

معهم في شيءٍ من ذلك إلا الجِزية المضروبة ، ومن شرط ذلك أن يكونوا بحيث تجري عليهم أحكام المسلمين وسلطانهم ، وتُؤخذ منهم الجزية وهم صاغرون . وأمَّا أهل العنوة - وهم الذين غلبهم المسلمون ، واستولوا على رقابهم وبلادهم - فهؤلاء حكمهم حكم الأسرى ، وحكم أراضيهم حكم غنائم المسلمين ، فإذا أقرهم الإمام على الجزية وجب لهم حكمها ، وكان الخلاف المتقدم في حَدِّ أقلِّ ما يضرب عليهم وأكثرهِ ، وتفريق من فرَّق بين الغنيِّ والفقير ، ومراعاة ما يحملون دون إجحاف . واختلف أصحاب مذهب مالك : هل يكونون بذلك أحراراً ؛ لأن استحياءهم لضرب الجزية من باب المنِّ عليهم ، أو هُم على أحكام العبيد للمسلمين ؟ ( 1 ) . وأما أرضهم : فلا حقَّ لهم فيها باتفاق ، وهي مِلْكٌ للمسلمين : إمَّا للجيش الذين غلبوا عليهم ، تقسم فيهم كسائر المغانم ، وإمّا فيءٌ موقوفةٌ لمصالح المسلمين ، على حسب ما مضى من القول ، وذكر الخلاف في ذلك ، فإن أقرّها الإمام في أيديهم على الخراج - على مذهب من رآها فيئاً - ، كان لها حكم ذلك . فهذا فرق ما بين الصلح والعنوة . وقد مضى ذكر الخلاف فيما يؤخذ من نصارى العرب . والأرجح أنهم في الجزية وسائر الأحكام من أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم سواء مع أهل الكتاب ، والله أعلم . واتفق الجمهور على أنَّ الجزية لا تفرض على النساء والصبيان ، ولا على العبيد ، إلاّ على الرجال الأحرار البالغين ، روي ذلك عن مالكٍ ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأبي ثور ، وغيرهم ( 2 ) .

--> ( 1 ) انظر : « المعونة » ( 1 / 621 ) ، « الكافي » ( 1 / 482 ) ، « الذخيرة » ( 3 / 416 ) . ( 2 ) انظر في مذهب الحنفية : « مختصر الطحاوي » ( 293 - 294 ) ، « اللباب » ( 4 / 145 ) ، « تحفة الفقهاء » ( 3 / 307 ) ، « بدائع الصنائع » ( 7 / 111 ) ، « إعلاء السنن » ( 12 / 462 ) ، « الهداية » ( 2 / 453 - =