محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
48
الإنجاد في أبواب الجهاد
الله - تعالى - : { وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا } [ النساء : 75 ] ، قيل : يريد قتال أهل مكة لاستنقاذ من فيها من المستضعفين ( 1 ) ، وكذلك يدل قوله - صلى الله عليه وسلم - : « وهم يدٌ على من سواهم » . وقال - صلى الله عليه وسلم - : « فُكُّوا العاني » ؛ خرَّجه البخاري ( 2 ) . ولا خلاف في ذلك أعلمه . قيل : فإن لم تكن لهم قدرة على استنقاذهم بالقتال ، وكانت هنالك أموالٌ يُفدَون بها ؟ ! وَجبَ فداؤهم بالمال ، وإن كانت لهم قدرةٌ ، وهناك أموالٌ ، كانوا بالخيار بين القتال والفداء ، واجبٌ عليهم أن يمتثلوا أحدَ الأمرين ( 3 ) . وأما الحالة الثالثة ( 4 ) : فهي ما وراء القيام بالفريضة في الحالتين المتقدمتين ،
--> ( 1 ) أخرج ابن أبي حاتم في « تفسيره » ( 3 / 1002 / رقم 5610 ) بسنده إلى مجاهد في تفسير هذه الآية ، قال : « أمرَ المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة » . وأخرجه ابن جرير في « التفسير » ( 4 / 168 ) ، وعزاه السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 593 ) إلى عبد بن حميد في « تفسيره » . ( 2 ) في « صحيحه » في كتاب الجهاد والسِّير ( باب فكاك الأسير ) ( رقم 3046 ) ، عن أبي موسى الأشعري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « فكّوا العاني - يعني : الأسير - وأطموا الجائع ، وعودوا المريض » . وأخرجه في كتاب النكاح ( باب حقّ إجابة الوليمة والدعوة ، ومَن أولم سبعة أيام ونحوه ) ( رقم 5174 ) . وفي كتاب الأطعمة ( باب وقول الله - تعالى - : { كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } ) ( رقم 5373 ) . وفي كتاب المرضى ( باب وجوب عيادة المريض ) ( رقم 5649 ) . وفي كتاب الأحكام ( باب إجابة الحاكم الدعوة ) ( رقم 7173 ) . ( 3 ) وسيأتي تفصيل ( أحكام الأسرى والتصرف فيهم ) في ( الباب الخامس ) - إن شاء الله تعالى - . ( 4 ) بقيت ( حالة رابعة ) ، وهي مهمة جداً ، وهي تخصُّ نوازل الجهاد في هذا الزمان ، فقد تقع وستجدّ ملابسات ، ما كانت في حسبان فقهائنا الأقدمين ، تؤثر على الحكم العيني أو الكفائي ، تجعل الموفَّق من ( المفتين ) يأخذها بعين الاعتبار ، كما وقع تماماً لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - لما ذكر أنَّ الناس كانوا في وقت الشدائد يطوفون بالقبور ، ويستنجدون بهم ، ويطلبون منهم =