محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
432
الإنجاد في أبواب الجهاد
فأقول : المستأمنُ يموتُ ويخلِّف مالاً في أرض الإسلام ، له ثلاثة أحوال : - فإن مات من غير أن يصيبه جيش المسلمين في دار الحرب ، فسواءٌ كان موته في دار الإسلام ، أو دار الحرب - إن لم يكن توجهه إليها نقضاً - ، حُكمُ ماله حُكمُ الأمان ، فهو يُردُّ إلى ورثته من أهل دينه ، قال الله - تعالى - : { لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ الأنفال : 27 ] . - وإن كان أصابه جيش المسلمين لما رجع إلى دار الحرب ، فكانت إصابتهم إيَّاه في حَوْمَةِ القتال قبل أن يأسروه ، فهذا بَطَلَ أن يكون لِمالِه حُكمُ الأمان بعد أن قُتِلَ في حضوره مع أهل الحرب قتالَ المسلمين ، فهو يحتمل أن يقال : ماله غنيمةٌ للجيش كسائر ما ظهروا عليه ؛ لأنه بغزوهم وإيجافهم انتقل من الأمانة إلى المَغْنم ، ويحتمل أن يقال : هو فيءٌ في بيت المال ، لا يختصُّ به الجيش ، كما قال الأوزاعي . وقاله ابن حبيب - وعزاه إلى ابن القاسم من أصحاب مالك - ؛ لأنه مال كافرٍ استحقَّه المسلمون بعد استقراره بدار الإسلام من غير إيجاف ( 1 ) . وقد قيل : يُردُّ المال إلى ورثته ، بمنزلة ما لو مات عَفْواً بأرضه ، وهو قول ابن القاسم المشهور عنه ، قال : لأنه ائتمن عليه ، ثم لم يملك المسلمون رقبة مالكه بعد ذلك . - وأما إن كان المسلمون أسروه فيمن أُسِر ، ثم قتل بَعْدُ ، فالأظهر أن ماله مغنومٌ للجيش ؛ لأنه بعد الإسار له حكم الرِّقِّ لذلك الجيش ، فمالُه قد ملكوه بذلك على حسب اشتراكهم ، فهو يخمس ، ثم يقسم على الغانمين ، والله أعلم . وهو قول ابن القاسم ، وقاله عبد الملك بن حبيب ، وحكاه عن ابن الماجشون ، وأصبغ ( 2 ) .
--> ( 1 ) انظر : « النوادر والزيادات » ( 3 / 145 ) ، « البيان والتحصيل » ( 3 / 28 ) ، « الذخيرة » ( 3 / 446 - 447 ) . ( 2 ) « النوادر والزيادات » ( 3 / 145 ) .