محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

43

الإنجاد في أبواب الجهاد

يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [ التوبة : 29 ] . فدلَّ ذلك كلُّه على أنه مَهما بقي من الكفار أحدٌ يمكن التوصُّل إليه ، فواجبٌ على المسلمين قتالهم حتَّى يسلموا ، أو يؤدُّوا الجزية إن كانوا من أهلها . وإذا تقرَّر هذا ، فلم يَبقَ إلا أن يكون ذلك متوالياً مُتَّصلاً ، لا يفترُ المسلمون عنه ، وفي ذلك إجحافٌ ، قد عُلم في الشَّرع التَّخفيف دونه ، أو أن يتكرر ذلك على أوقاتٍ يَتَّسعُ الناس في أثنائها ، فلا تجد ذلك أقلَّ من مرَّةٍ في العام ، قال الله - تعالى - في المنافقين وتقريعهم : { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } [ التوبة : 126 ] . فأَعْلَمَنا - سبحانه - أن فتون أهل الكفر وإصابتهم في كلٍّ عامٍ مرَّة مقنعٌ في العقاب ، ومذكِّرٌ لأولي الألباب . وقال كثيرٌ من أهل العلم ( 1 ) في حدِّ الأَداء لوجوب القيام بفرض الجهاد : هو أن يُدفع العدو ، وتُحمى الثغور ، ويُستظهر على أهل دار الحرب ، فإذا قيم بذلك سقط الفرض ، ومن قام به من المسلمين أجزأ ، وهذا صحيح ما دام بالمسلمين حاجةٌ إلى ذلك ، وإنما يكون القول بإيجابِ المرَّة بعد الخلو والتَّفَرّغ من ذلك كلِّه ، ومُضيِّ السنين ، من غير احتياجٍ إلى شيءٍ منه ، ومهما احتيج في سدِّ الثغور ، وصلاح أحوال المسلمين إلى التعهُّد بأكثر من ذلك ، فهو يجب بحسب ما تدعو إليه الحال ، كما عُلِمَ من فعلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتواتَرَ من موالاته غزو الكفار المرّة بعد المرّة . خرّج مسلم ( 2 ) عن بُريدة : غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع عشرة غزوة ، قاتل في

--> ( 1 ) انظر : « الوسيط » للغزالي ( 7 / 6 ) ، « البحر الرائق » ( 5 / 120 ) . ( 2 ) في « صحيحه » في كتاب الجهاد ( باب عدد غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - ) ( 143 ) ( 1254 ) ، من حديث بريدة - رضي الله عنه - . وعن زيد بن أرقم قال : « غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع عشرة غزوة ، وغزوت معه سبع عشرة غزوة » . أخرجه أحمد ( 4 / 347 ) من طريق ميمون أبي عبد الله ، عن زيد ، به . ونحوه عن أبي إسحاق عن زيد ؛ أخرجه البخاري ( 3949 ) ، ومسلم ( 143 ) ( 1254 ) ، والترمذي ( 1676 ) ، وأحمد ( 4 / 368 ، 370 ، =