محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
399
الإنجاد في أبواب الجهاد
حصل منه ساعتئذٍ النِّيَّة والعمل ، وذلك هو حقيقة الجهاد ، ودخل بذلك في جملة من تنسب الغنيمة إليهم ، فكان الوجه أن يُسهم له . - ورجلٌ نوى الغزو فانْقُطِعَ به قبل مَشَاهِدِ القتال ، فهذا الذي جرى فيه ذكر الخلاف في هذا الفصل ، والذي يترجح - إن شاء الله - ألاّ يكون له في الغنيمة حقٌّ إن ( 1 ) لم يحضر من مشاهد الحرب شيئاً ، ويدخل في ذلك المريض الذي لا يستطيع شيئاً من الحضور والتكثير فما فوق ذلك ، فإن شهد هؤلاء شيئاً من ذلك ، - وإن قلَّ زمانه - فلهم سهمهم ، أعني : فيما غنم عن ذلك الموطن ، أو كان لذلك الموطن في أسباب اغتنامه أَثَرٌ ؛ وذلك أن الذي أثبَته الشرع للنيات من الحظِّ ، وإدراك بعضها رُتبةَ العمل ، إنما جاء النص به فيما يرجع إلى ثواب الله - تعالى - وجزيل ما عنده . وأمَّا أحكام الدنيا وما يستحق فيها بالعمل ، فلم يرد الشرع في شيء من ذلك بأنَّ للناوي فيه مثل ما للعامل ، بل لعلَّه مما يستحيل ( 2 ) التكليف به ؛ لأنَّ الاطلاع على النية لا يعلمه إلا الله - عز وجل - . ولما جعل الله - تعالى - الغنائم لمن غنمها دون من سواهم من المسلمين ، وكان هذا لم يغنم ، ولم يشارك في شيءٍ من أسباب الاغتنام ؛ بطل أن يكون له معهم فيما ملَّكهم الله من ذلك شيء ، ونيته على الله الذي وسع كلَّ مخلوقٍ فَضْلاً ، والله أعلم . وأمَّا من فرَّق من الفقهاء بين الإدراب وما قبله ، فأوجب لمن دخل مع الجيش أرض العدو ، وحيث تبتدئ الشدةُ والمخافةُ أن يُسهم له ، وإن صدَّه عن التمام أمرٌ غالبٌ ، ولم يوجب ذلك لمن اعْتُرِضَ قبله ، فسببه : أن الإدراب عنده نوعٌ من مشاهد الحرب التي ينتفع الناس فيها بعضهم ببعض في القوة على التقدم ، فإنَّ الجمع هناك إنما يحملهم على الدخول : الاعتدادُ بمن معهم ، فيكون ذلك
--> ( 1 ) كتب الناسخ في هامش نسخته : « كذا ، ولعلها : وإن » ، والمثبت هو الصواب . ( 2 ) في المنسوخة : « يستحب » ! ! .