محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
36
الإنجاد في أبواب الجهاد
نسخ ذلك كلَّه آيةُ السيفِ في ( براءة ) : { فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] ، فأبيحَ القتالُ في الأشهر الحرم وغيرها ، وعلى هذا جماعة أهل العلم ، إلا أن عطاءً ذهب إلى أنَّ الآية في الحَظْر مُحكمة ، ولا يجوز عنده قتالٌ في الأشهر الحرم ( 1 ) . والحجة فيما صار إليه الجمهور ، أنَّ كل مهادنةٍ كانت ، فقد نسختها آية السَّيفِ في ( براءة ) ، وهي آخر ما أنزل في ذلك . قال النحَّاس ( 2 ) : « نُقلِ إلينا أن هذه الآية - يعني : قوله - تعالى - : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ } [ البقرة : 217 ] - نزلت في جمادى الآخرة - أو في رجب - ، في السنةِ الثانية من هجرةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، وقد قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هوازن بحُنينٍ ، وثقيفاً بالطائف ، في شوال ، وذي القعدةِ ، وذو القعدةِ من الأشهر الحرم ، وذلك في سنة ثمانٍ من الهجرة » ( 3 ) ؛ يريد الاستدلال على أن الكفَّ في الأشهر الحرم منسوخٌ ، والأشهر الحرم هي التي قال الله - عز وجل - فيها : { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } [ التوبة : 36 ] .
--> ( 1 ) قال أبو جعفر النحَّاس في « الناسخ والمنسوخ » ( ص 39 ) بعد ذكر مذهب عطاء أن الآية محكمة ، قال : ويحتجُّ بما حدثناه . . وذكر حديثاً بسنده إلى جابر قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقاتل في الشهر الحرام ، إلا أن يُغزى أو يغزو ، فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ . قال أبو جعفر : وهذا الحديث يجوز أن يكون قبل النسخ للآية { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } . والحديث صحيح ، فهو من رواية الليث بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر . وأخرجه من طريق الليث : ابن جرير في « التفسير » ( 2 / 346 - 347 ) ، وأبو عبيد في « الناسخ والمنسوخ » ( ص 207 / رقم 389 ، 390 ) ، وفي مطبوع « الناسخ والمنسوخ » للنحاس أبو الأزهر بدل : أبو الزبير ، وهو خطأ فليصَحَّح . ونقل ابن العربي في « أحكام القرآن » ( 2 / 27 ) قول عطاء ، وردَّه بقوله : « وهذا القول من عطاء مسبوق بالإجماع من الصحابة ، والأخبار الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتاله في الأشهر الحرم ، وإرساله سراياه فيها » . ( 2 ) في « الناسخ والمنسوخ » ( ص 41 ) . ( 3 ) هذا الذي عليه المحققون من العلماء ، ورجَّحه وانتصر له ابن القيم في « زاد المعاد » ( 3 / 340 ) .