محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
331
الإنجاد في أبواب الجهاد
واستدلَّ من رأى أنّ الزيادة على ذلك ممنوعة ، بأن الله - تعالى - فرض قتال الكفار ، فوجب القيام بذلك ، فلمَّا هادن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشركي أهل مكة ، كانت تلك المدة مع العُذر الموجود أقصى ما يجوز في ذلك ( 1 ) . وفرَّق الشافعي في السبب الموجب للهدنة ، فرأى أن ما كان سبب الموادعة فيه تألف المشركين ، رجاء أن يسلموا ، أو يعطوا الجزية ، ونحو ذلك من أنواع المصلحة التي من غير ضعفٍ بالمسلمين عنهم ، فأقصى مدة ذلك أربعة أشهر ، لا تزيد عليها ، على أصحِّ القولين عندهم ( 2 ) ، وفي القول الثاني : يجوز فيما دون السَّنَة . فدليل الأول : ما جعله الله أَجلاً للمشركين في سورة ( براءة ) لمثل ذلك ، وذلك قوله - سبحانه - : { فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } [ التوبة : 2 ] ، ووجه الثاني ، قالوا : لأن السَّنة مدة الجزية ، فلا يُسامح فيها إلا بمال ، وأما إن كان سبب المهادنة عنده الضعف بالمسلمين ، والعجز عن مقاومة عدوهم ، فيجوز ما بينه وبين عشرة أعوام ؛ للدليل الذي تقدم ذكره في مدة صلح أهل مكة ( 3 ) . فصلٌ الصلح على المهادنة ، والموادعة ، يقع على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون مهادنة من الفريقين دون ذكر المال ، فذلك جائز في موضع العُذر وطلب المصالح للمسلمين ؛ لأن مهادنة النبي - صلى الله عليه وسلم - مشركي مكة عام الحديبية كانت كذلك من غير مال . والثاني : أن تكون على مالٍ يؤديه الكفار ، وذلك - أيضاً - جائز ؛ لأن أخذ المال منهم على ذلك صَغارٌ لهم ، وليس هو من سبيل الجزية في شيء ؛ لأن حكم الجزية أن يكونوا بحيث يستولي عليهم نظر المسلمين وسلطانهم ، ويستوجبون هم
--> ( 1 ) وقال ابن المنذر في « الأوسط » ( 11 / 312 ) : وبه أقول . ( 2 ) نحوه في « الأم » للإمام الشافعي ( 4 / 201 ) ، ونقله عنه ابن المنذر في « الأوسط » ( 11 / 333 ) . ( 3 ) انظر : « الأوسط » ( 11 / 313 ) .