محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

309

الإنجاد في أبواب الجهاد

فإذا تقرر من مستند الشرع وأقوالِ العلماء في ملاحظة ثبوت الأمان : مراعاة ما دلَّ عليه من قولٍ أو إشارة أو استشعار ؛ فأقول : كلُّ لفظٍ على أي لغةٍ كان ، واصطلاحٍ حدث ، أو كتابة بأي خطٍّ في مثل ذلك ، مما اصطُلح عليه ، أو إشارةٍ ورمزٍ ونحو ذلك مما يُتفاهم بمثله ، يُشْعِرُ به المسلمُ الحربيَّ أماناً ، أو يستشعر منه الحربي الأمان ، سواء أراده المسلم أو لا ، فهو أمانٌ في الحال ، مما وافق ما قصده المسلم من ذلك ، ولم يكن فيه وجه من وجوه الفساد ، ويجب إمضاؤه والوفاء به إلى غايته ، وما لم يكن مراده منه التأمين ، إلا أن الحربي نزل على ذلك مُستشعراً فيه أماناً ، وجب فيه ردُّ الحربي إلى مأمنه ، ثم يعود الأمر معه على أوَّله ، ولا يحل اغتياله على هذا الوجه بحال ، والدليل على صحة هذا الحدِّ : أن ما كان من الأقوال المتعارفة في ذلك ، فلزومه مما لا إشكال فيه ، وكذلك على كلِّ لغة ؛ لأن ذلك لا يلزم في اللسان العربي لخاصية أنه عربي ، لكن من حيث هو وُضِعَ في التخاطب لإفهام الأمان ، فكذلك سائر الألسنة ( 1 ) . وأما الكتابة ، وما يَجْرِي مجراها من الإشارة ونحوها ، فكلُّ ذلك من باب الاصطلاح والإفهام ، لا فرق بينه وبين الكلام ، والحكم في ذلك للمعنى والإفهام ، لا لمجرد اللفظ ، وفيما ثبت من كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ملوك الكفر يدعوهم إلى الإسلام ، وإشارته - كما تقدم - لأصحابه في غير ما موضع ، وإشارةِ التي رضخها اليهودي بالحجارة ، فأشارت إليه - صلى الله عليه وسلم - برأسها ، وقد سألها عن قاتلها : أن لا ، حتى سألها الثالثة ، فقالت : نعم ؛ وأشارت برأسها ؛ فقتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين حجرين .

--> = مذهب الثوري ، حكاه عنه أحمد واستحسنه فيما نقل الكوسج في « مسائل أحمد وإسحاق » ( 2 / 16 - 17 ) . ( 1 ) هذا الكلام صحيح وقوي بناءً على ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في « القواعد النورانية » ( ص 132 - 135 ) ، وغيره من أن كل اسم لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع ، فالمرجع فيه إلى عرف الناس .