محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

310

الإنجاد في أبواب الجهاد

خرَّجه مسلم ( 1 ) . كل ذلك دليل واضح وحجة بيِّنةٌ في إمضاء الشرع العمل على مفهوم ذلك كلِّه ، وأما لزوم ذلك ، وإن لم يُرِدْ المسلم به الأمان إذا ظَنَّه الحربي أماناً ؛ فلأنه فعل ما يوهم الأمان ، فكان سبباً لاطمئنان الحربي إليه ، فَثَبَت له بذلك حُرمة الأمان ، فأمَّا أن يُمْضِيَ له ما ظنّ من ذلك ، أو يُردَّ إلى مأمنه ، ولا يهجم - بعد ظنه الأمان واطمئنانه إلى ذلك - على قتله أو أسرِه ، قال الله - تعالى - : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ } [ الأنفال : 58 ] ، فأمر الله - تعالى - أن يُعْلَموا برفض ما كانوا يعتقدونه من صِحَّة عهدهم وثبوت أمانهم ، ولم يُبح اغتيالهم حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم ، وأخذ حذرهم ، فكان ذلك أصلاً في كل مستشعرٍ من أهل الكفر أماناً من المسلمين ؛ اطمأنَّ إليه ، أو نزل عليه . وأيضاً ؛ فالذي يشير بما يشعر الأمان ، أو يفعل ما يُستقرأ منه الأمان ، وهو لا يريده ، فله حالتان : * إما أن يكون لاهياً غير قاصدٍ لإشعار التأمين ، فهو وإن لم يلزم به التأمين مُطلقاً ، فلم يخلُ عن شبهةٍ ، فهو سبب انبعاث الاطمئنان إليه ، فعهدة ذلك على المسلم حيث سَبَّبه ، لا على الحربي ، فوجب أن يُزال ذلك بالردِّ إلى مأمنه . * وإمَّا أن يكون فعل ذلك ذاكراً وهو لا يريد تأمينه حقيقة ، وإنما يُريد أن يوهمه حتى يتمكن منه ، فهذا هو عين الخيانة والغدر المحرم باتفاق ، ولذلك توعد في مثله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بما توعَّد ( 2 ) ، ولا خلاف يعلم بين المسلمين في تحريم ذلك ، ونحن نبيِّن - إن شاء الله - وجه الفرق بين

--> ( 1 ) في « صحيحه » في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات ( باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره . . . ) ( 15 ) ( 1672 ) من حديث أنس - رضي الله عنه - . وأخرجه البخاري في عدة مواطن من « صحيحه » ( الأرقام 2413 ، 2746 ، 5295 ، 6876 ، 6877 ، 6879 ، 6884 ، 6885 ) . ( 2 ) مضى تخريجه قريباً .