محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

272

الإنجاد في أبواب الجهاد

سبياً من سَبي العرب ، فاشتهينا النساء ، واشتدت علينا العُزْبة ، وأحببنَا الفداء ، فأردنا أن نَعْزِلَ ، فقُلنا : نَعْزِلُ ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا قبل أن نسأله ؟ ، فسألناه عن ذلك فقال : « ما عليكم أن لا تفعلوا ، ما مِنْ نَسَمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلاَّ وهي كائنة » . ووجه ما ذهب إليه من مَنع في الجميع - كما يقول أبو حنيفة - ( 1 ) هو ما زعم من أنَّ في ردِّهم إليهم تقويةً للعدو ، وكأنه يرى الفداء مَنسوخاً ، وقد تقدَّم الرد على هذا المذهب ( 2 ) . ووجهُ من منع فداء الرجال بالمال خاصةً ، حملُ مدلول الفداء في الآية على المفاداة بالمسلمين ؛ لأن ذلك مما لا يُختلفُ في أنه يتناوله اللفظُ ؛ فأمَّا فديةُ المال فلا دليل على أنَّه مرادٌ في اللَّفظ ؛ لأن ظاهر الفداءِ والمفاداةِ في اللُّغة للمعنى الأول من حيثُ هو مصدر فَاعَلَ ، وهو يكون غالباً فعلَ اثنين يتساويان فيه على حَدٍّ ، فظاهر مدلول الفداء يقتضي أن يوجدَ في كل جانبٍ أسيرٌ يُفْدَى ويُفْدَى به ، كالقتال والسِّباب ونحو ذلك ، وحملوا ما وقع من فِدْيةِ المال في أسارى بدرٍ على وجوه من التعليل ، من ذلك قول بعضهم : إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عَلِمَ بإعلام الله - تعالى - إيَّاه أنه سيظهر عليهم بَعْدُ ، فكان في قبولِ الفِدْية مصلحةٌ للمسلمين وتَعجيلُ نَفْعٍ ، وتقويةٌ على عدوهم ، ثم كأنهم بَعْدُ في حُكْمِ المأسورين بما وَعَدَ من الظهور عليهم ، وفي هذا التأويل إبعادٌ ، والقولُ بجواز ذلك أرجح ، إلا أن يعرض في شخصٍ ما أو حالٍ أو وقتٍ أمرٌ ، يكون في فِعْلِ ذلك معه ضَررٌ للمسلمين ؛ إمَّا لأن الشخصَ المُفْدَى ذو دهاءٍ ومكرٍ وانتهاضٍ بالحرب ، أو لأنَّ في عدد الأسرى المرجوعين إليهم من الكثرة ما يُتَّقى في ذلك الوقت من عائدته على المسلمين ، وما أشبه ذلك ، فيمنع بحسب العارض ، لا أنه محظورٌ في الأصل ، والله أعلم .

--> ( 1 ) انظر : « الأم » ( 7 / 367 ) ، « البناية » ( 5 / 691 ) ، « البحر الرائق » ( 5 / 140 ) ، « المبسوط » ( 10 / 138 ) ، « الأوسط » ( 11 / 207 ) ، وهو قول أبي يوسف القاضي . ( 2 ) انظر : « الأم » ( 7 / 368 ) ، و « الأوسط » ( 11 / 208 ) .