محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
27
الإنجاد في أبواب الجهاد
الذين يُعيِّنُهمُ الإمامُ في الاستنِفار ، وإذا لم يكن شيءٌ من ذلك فهو على أصل الكفاية ، ولا نَسْخَ على هذا في شيءٍ من الآيات ، بل هو راجعٌ إلى الأحوال ، وما يجبُ في مقاومة الكفار ، وهذا الأرجح ، والله أعلم ؛ لأن النَّسخ لا يُصارُ إليه إلا بتوقيفٍ أو اضطرار لا يمكن معه الجمع بين الأمرين ، ويعلم مع ذلك المتأخّر ، فيكون هو الناسخ ، وإلاَّ فلا . وعلى كلا القولين ، فلم يُختلف في أنَّ فرض الجهاد استقرَّ في الجملة على الكفاية ، يحمله من قام بهِ من المسلمين عن سائرهم ، هذا هو المشهور المعروف الذي عليه جماعة أهل العلم ( 1 ) .
--> ( 1 ) قال الإمام الشافعي في « الأم » ( 4 / 176 ) : « قال الله - تبارك وتعالى - : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ } [ البقرة : 216 ] ، مع ما أوجب من القتال في غير آية ، قال : فكان فرض الجهاد محتملاً لأن يكون - كفرض الصلاة وغيره - عاماً ، ومحتملاً لأن يكون على غير العموم ، فدل كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - على أن فرض الجهاد إنما هو على أن يقوم به من فيه كفاية للقيام به ، حتى يجتمع أمران : أحدهما : أن يكون بإزاء العدو والخوف على المسلمين من يمنعه . والآخر : أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية ؛ حتى يسلم أهل الأوثان ، أو يعطي أهل الكتاب الجزية . فإذا قام بهذا من المسلمين من فيه كفاية له ، خرج المتخلف منهم من المأثم ، وكان الفضل للذين وُلُّوا الجهاد على المتخلفين عنه ، قال الله - تبارك وتعالى - : { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } إلى قوله : { وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } [ النساء : 95 ] . قال الشافعي : فبين إذ وعد الله القاعدين غير أولي الضرر الحسنى : أنهم لا يأثمون بالتخلف ، ويوعدون بالحسنى في التخلف ؛ بل وعدهم بما وسع لهم من التخلف الحسنى ، إذا كانوا مؤمنين لم يتخلفوا شكاً ولا سوء نية ، وإن تركوا الفضل في الغزو . قال الشافعي : ولم يغز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزاة علمتها إلا تخلف عنه فيها بشر ، فغزا بدراً وتخلف عنه رجال معروفون ، وكذلك تخلف عنه عام الفتح وغيره من غزواته . وقال في غزاة تبوك ، وفي تجهيزه في الجمع للروم : « ليخرج من كل رجلين رجل ، فيخلف الباقي الغازي في أهله وماله » ، قال الشافعي : ففرض الجهاد على ما وصفت ، يُخرج المتخلفَ من المأثم القائمُ فيه بالكفاية ، ويأثمون معاً إذا تخلفوا معاً » ا . ه كلامه - رحمه الله - . =