محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

268

الإنجاد في أبواب الجهاد

الممانعة ، ويتقرر على هذا : أنه لا يسوغ الأسر إلا بعد الإثخان ، كما قال سعيد ، ثم يكون الاجتهاد فيهم بعدُ بالوجوه المذكورة للإمام ؛ قال مجاهد ( 1 ) : الإثخان : القتل ، وقال محمد بن إسحاق صاحب « المغازي » ( 2 ) : « حتى يثخن في الأرض : أي : ثخَّن عدوَّه حتى ينفيه من الأرض » . وقال أبو عبيدة ( 3 ) : معناه : حتى يغلب ويبالغ . وهذا الوجه الذي قرَّرنا الاستدلال عليه هو - إن شاء الله - أَرجْحُ الأقوال ؛ لأن اعتقاد النَّسخ لا يَحسنُ إلا حيثُ يقوم عليه الدليل بالتوقيفِ ونحوه ، أو حيث لا يمكنُ الجمعُ البَتَّة ، ويُعلمُ المتأخِّرُ مع ذلك ، فيكون هو الناسخ ، وإلا فهو ظَنٌّ ، والله - تعالى - يقول : { وإَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } [ النجم : 28 ] ، فإذا تقرر ذلك فالأسرى يجوز فيهم للإمام القتلُ والمنُّ والفداءُ ، وكذلك الاسترقاقُ ، هذا ما لم يختلف فيه الصَّائرون إلى هذا المذهب : مالكٌ ، والشافعيُّ ، وأبو ثورٍ ، وأحمد ، وأبو عبيدٍ ، وغيرهم ، ومنع أبو حنيفة المَنَّ والفداء ، وخيَّر بين الاسترقاق والقتل ( 4 ) . فأمَّا ضرب الجزية ؛ ففي شروط ذلك والقول به عامَّاً في الكُفَّار أو خاصّاً خلافٌ ، نذكره - إن شاء الله - في ( الباب التاسع ) ، حيثُ أَفْرَدْناه للجزية وأحكامِها ، ونتعرض في هذا الموضع للتنبيه على أحكام سائر الوجوه غيرِ الجزية ، وذكر مسائل مما يتعلق بذلك - إن شاء الله تعالى - .

--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي حاتم ( 5 / 1732 رقم 9154 ) ، وابن جرير ( 6 / 43 ) في « تفسيريهما » عن مجاهد . وعزاه السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 109 ) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر . ونقله ابن المنذر في « الأوسط » ( 11 / 229 ) عنه - أيضاً - . ( 2 ) ( ص 287 - تحقيق محمد حميدالله ) ، وفي المطبوع : يثخن عدوَّه ، وكذا نقلها عنه ابن المنذر في « الأوسط » ( 11 / 229 ) . ( 3 ) في « مجاز القرآن » ( ص 250 ) ، وفيه : حتى يغلب ويغالب ويبالغ ، ووقع « حتى يغلب ويبالغ » في مطبوع « الأوسط » ( 11 / 229 ) منسوباً إلى أبي عبيد ! ! ( 4 ) سبق توثيق مذاهب جميع المذكورين ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .