محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
269
الإنجاد في أبواب الجهاد
فصلٌ يكون نظر الإمام في الأسرى بحسب الاجتهاد والمصلحة لأهل الإسلام ، فمن خُشيت شجاعته منهم وإقدامُهُ ، أو رأيُهُ وتدبيرُه ، وما أشبه ذلك ( 1 ) من الوجوه التي تعود بتقوية بأس العدو على المسلمين في بقائه ؛ كان الأولى قَتْلُهُ ، إلا أن يَعرضَ هناك ما يمنع ، وتكونُ مراعاته أهم ، مثل أن يكون في بلاد الكفر أسيرٌ من المسلمين ، لا يُستطاع إخراجه إلا بالمفاداة بهذا ، وما أشبه ذلك من وجوه النَّظَرِ في الحال ، وذلك غير مُنْحَصرٍ ، بل هو بحسب ما يرى الحاضر والمجتهد ، ومن لم يكن من الأسرى على هذه الصِّفة ، وكان في المفاداة به مصلحةٌ وتقويةٌ للمسلمين بالمال ، وما أشبه ذلك مما لا ينحصر - أيضاً - من وجوه النَّظَر ، فالأوْلَى المفاداةُ ، ومن يُرجى إسلامُه بَعدُ ، أو الانتفاع به في استمالة أهلِ الكفر أو كسرِ شوكتهم ، وما في معنى ذلك إذا رُدَّ وأُنعم عليه ، فالأَوْلَى المَنُّ ، ومن كان صانعاً أو عسيفاً يُنتفع بمثله في الخدمة ، ولم يعرض فيه وجهٌ من الوجوه المتقدمة ؛ اسْتُرِقَّ هؤلاء ، أو ضُربت عليهم الجزية ، إن كانوا من أهلها ، على حسب ما يظهر من ذلك ( 2 ) . وبالجملة ، فالنَّظر في هذه الوجوه لمصالح المسلمين بحسب الحال أوسَعُ من هذا ، وإنما نَبَّهنا على أنموذج من طريق النَّظَر ، لا أنَّ ذلك واجبٌ بعينه ، إلا أنه لا ينبغي أن يميل إلى واحدٍ من هذه الوجوه إلا لمصلحةٍ في حقّ المسلمين ، يغلب على نظره واجتهاده أنها أَوْلى ، فأمَّا القتل ، فما دام الإمام مُرتئياً لم يعزم على واحدةٍ
--> ( 1 ) كمن يكون شديد العداوة للإسلام ، وإنه إن ترك بمنٍّ أو فداء سيسعى في المسلمين قتلاً ، وهو ما يسمى اليوم ب - : مجرم حَرب . وانظر : « من أحكام الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون » ( ص 141 ) . ( 2 ) تاريخ المسلمين شاهد على معاملتهم الحسنة للأسرى ، خلافاً لغيرهم من الكفار في معاملتهم الوحشية للأسرى . انظر - على سبيل المثال - في معاملتهم الأسرى كتاب « جرائم الحرب في فيتنام » للانجليزي « برتراند راسل » ، ترجمة : محمود فلاحة ، « حكم الأسرى في الإسلام » للدكتور عبد السلام الأدغيري .