محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
263
الإنجاد في أبواب الجهاد
وأمَّا من ذهب إلى التفريق بين الإسار قبل الإثخان وبعده ، فدليلهم : ظاهر الآية في قوله - تعالى - : { فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ } [ محمد : 4 ] ، فلم يُؤذن في الإسار إلا بعدَ الإثخان والقتل ، وإليه ذهب سعيد بن جبير ( 1 ) . وأما الجمهور الذين ذهبوا إلى تخيير الإمام بحسب الاجتهاد في المصالح ؛ فإنهم استعملوا جميع الآي الواردة في ذلك ، على ما نذكره - إن شاء الله تعالى - لإمكان الجمع بينهما ، وإذ لا دليل على أنَّ شيئاً من ذلك منسوخ ؛ رُوي هذا القول عن ابن عباس ( 2 ) ، وعليه أهل المدينة ، وكذلك يجئ مذهب مالكٍ ، والشافعي ،
--> ( 1 ) أخرجه عنه أبو عبيد في « الناسخ والمنسوخ » ( 210 رقم 395 ) ، وابن الجوزي في « الناسخ والمنسوخ » ( ص 229 ) . وعزاه السيوطي في « الدر المنثور » ( 7 / 457 ) إلىعبد بن حميد ، وابن المنذر في « تفسيريهما » ، مع أن ابن المنذر في « الأوسط » ( 11 / 231 ) نقل أن مذهبه كراهية القتل ، كمذهب الحسن وعطاء ، ونقل فيه ( 11 / 226 ) أن الإثخان مذهب إسحاق . ( 2 ) أخرجه أبو عبيد في « الناسخ والمنسوخ » ( ص 209 رقم 392 ) ، وفي كتاب « الأموال » ( ص 170 رقم 342 ) ، والطبري في « التفسير » ( 14 / ص 59 رقم 16286 - ط . شاكر ) ، وأبو جعفر النحاس في « الناسخ والمنسوخ » ( ص 190 ، 259 ) ، وابن المنذر في « الأوسط » ( 11 / 225 - 226 ) من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله - تعالى - : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ } . قال : ذلك يوم بدر ، والمسلمون يومئذٍ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطناهم ، أنزل الله - عز وجل - بعد هذا في الأسارى { فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } فجعل الله - عز وجل - النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين في الأسارى بالخيار : إن شاؤوا قتلوهم ، وإن شاؤوا فادوهم ، وإن شاؤوا استعبدوهم . شكَّ أبو عبيد في « استعبدوهم » . قلت : علي بن أبي طلحة . قال العلائي في « جامع التحصيل » ( ص 240 رقم 542 ) : « قال دُحيم : لم يسمع التفسير من ابن عباس ، وقال أبو حاتم : علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مرسل » . وقال أبو زرعة العراقي في « تحفة التحصيل » ( ص 234 ) : « قلت : قال الفسوي : روى عن ابن عباس الناسخ والمنسوخ ، ولم يره » . قلت : لعليِّ بن أبي طلحة صحيفة رواها عن ابن عباس - كما أشرت إلى ذلك في موطن سابق - ، فلعله أخذ هذا عن ابن عباس من الصحيفة ؛ فيصح الأثر ، والله الموفق . وأخرجه ابن جرير في « التفسير » ( 26 / 41 ) ، وابن الجوزي في « الناسخ والمنسوخ » ( ص 228 ) =