محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

258

الإنجاد في أبواب الجهاد

بالأسرى من الرجال على أقوال : فذهب قومٌ إلى قتلهم ولا بُدَّ ، وقومٌ إلى استحيائهم ، والمنعِ من قتلهم ، وفرَّق قومٌ بين الأسر بعد الإثخان ، وهو استمرار القتل ، فأجازوا هناك الأسر لِلْمَنِّ والفداء والاسترقاق ، وبين الأسرِ قبل الإثخان ؛ فمنعوا هناك الاستحياء ، وأوجبوا فيهم القتل ، وكذلك فرِّق بين أسارى أهل الكتاب وأسارى الوثنيين ؛ فلم يجيزوا في الوثنيين إلا القتل ، وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الإمام مُخيَّرٌ في الأسارى بحسب الاجتهاد في مصالح المسلمين ، وسبب الخلاف تعارض الآي في ذلك ، وما الناسخ منها من المنسوخ ، أو : هَل ذلك كلُّه مُحكمٌ ، والجمع بينه ممكن ؟ فأما من ذهب إلى قتل الأسير ولا بدّ ، فدليله قوله - تعالى - : { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ } [ الأنفال : 57 ] ، وقوله - تعالى - : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] ، ورأوا هذا ناسخاً لقوله - تعالى - : { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } [ محمد : 4 ] ، ولا يجوز عندهم أن يُفَادى إلا بالمرأة ؛ لأنها لا تقتل ، وإليه ذهب قتادة ( 1 ) ومجاهد ( 2 ) والحكم ، وروي عن ابن جريج

--> = ( 3 / 61 ) . وهذا مذهب الحنفية ، انظر : « شرح السير الكبير » ( 4 / 186 ) ، « بدائع الصنائع » ( 6 / 63 ) ، « البحر الرائق » ( 5 / 131 ) . وهو قول عند الشافعية ، انظر : « الوسيط » ( 7 / 20 ) ، « روضة الطالبين » ( 10 / 243 ) . ومذهب الحنابلة ، انظر : « الإنصاف » ( 10 / 87 ) ، « المغني » ( 13 / 178 ) . خلافاً للأظهر عند الشافعية وابن حزم ، إذ جوَّزوا قتل المذكورين ، انظر : « روضة الطالبين » ( 10 / 243 ) ، « المحلى » ( 5 / 348 ) . ( 1 ) أخرجه عنه : ابن جرير في « التفسير » ( 26 / 40 ، 41 - ط . دار الفكر ) ، ونحوه أخرجه ابن الجوزي في « الناسخ والمنوسخ » ( ص 229 ) ، وعزاه السيوطي في « الدر » ( 5 / 457 ) إلى عبد بن حميد وابن المنذر في « تفسيريهما » ، وإلى أبي داود في « ناسخه » . وانظر : « الإيضاح » لمكي بن أبي طالب ( ص 300 و 309 ) . ( 2 ) أخرجه عنه عبد الرزاق في « المصنف » ( 5 / 210 رقم 9404 ) عن عباد بن كثير ، عن ليث ، =