محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
252
الإنجاد في أبواب الجهاد
فذهب بعض من تأوَّل ذلك ( 1 ) من قوله ، إلى أنَّه إنما نهى عن تخريب الشام ؛ لأنه علم ضعف العدوِّ ، ورجا مصير ذلك عن قُربٍ للمسلمين موفوراً ( 2 ) ، ونحو ذلك روي عن مالك أنَّه تأوَّله ( 3 ) . فأمّا حجة من أجاز ذلك في الجملة : فعموم قوله - تعالى - : { وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } [ التوبة : 120 ] ، وحديث عبد الله بن عمر ،
--> = ووردت هذه الوصية بألفاظ متعددة . انظر : « جامع الأصول » ( 2 / 599 ) ، « نصب الراية » ( 3 / 406 ) . والمذكور مذهب ابن مسعود - أيضاً - . انظر : « سنن سعيد بن منصور » ( 3 / 240 ) ، « المغني » ( 8 / 453 - 454 ) . ( 1 ) نُقل عن سَحنون في « المدونة » ( 2 / 8 ) ، وقاله عبد الملك بن حبيب ، نقله عنه ابن أبي زمنين في « قدوة الغازي » ( ص 167 ) . ( 2 ) وبما أن مصير ذلك عن قربٍ للمسلمين ، فيصير كأنهم خربوا أموالهم بأيديهم . وقد أشار الصديق - رضي الله عنه - إلى هذا المعنى ، فقال للجيش : فإن الله ناصركم ، وممكن لكم حتى تتخذوا فيها مساجد . وانظر : « شرح السير الكبير » ( 1 / 44 - 46 ) ، « الرد على سير الأوزاعي » لأبي يوسف ( ص 87 - 89 ) ، « الأم » ( 7 / 356 ) ، « المبسوط » ( 10 / 31 ) ، « فتح الباري » ( 6 / 155 ) ، « أحكام القرآن » للجصاص ( 3 / 429 ) ، « سنن البيهقي » ( 9 / 85 ) . ( 3 ) انظر : « البيان والتحصيل » ( 2 / 548 و 17 / 353 ) ، « النوادر والزيادات » ( 3 / 63 ) . وكذا قاله الشافعي في « الأم » ( 7 / 356 ) . قلت : ولا يَسْلَمُ هذا التأويل ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع وأحرق نخل بني النضير ، وقد علم أنها ستصير للمسلمين في يومه أو غَدِه ، كما ذكره ابن الحزم وابن العربي . انظر : « المحلّى » ( 7 / 294 ) ، « أحكام القرآن » ( 4 / 1768 ) ، بل إنه - صلى الله عليه وسلم - قطع نخيل خيبر ، وقد وعده الله - تعالى - إياها مغانم كثيرة . انظر : « شرح السير الكبير » ( 1 / 55 ) . فكيف يتلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ميراث المسلمين ، وينهى أبو بكر - رضي الله عنه - فيما بعد - المسلمين عن ذلك ؟ ! وعلى افتراض ثبوت وصية الصديق لجيشه ، يقول الإمام الشافعي في « الأم » ( 7 / 356 ) : « ولعلَّ أمر أبي بكر - رضي الله عنه - بأن يكفوُّا عن أن يقطعوا شجراً مثمراً ، إنما هو لأنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبر بأن بلاد الشام تفتح على المسلمين ، فلما كان مباحاً أن يقطع ويترك ، اختار الترك نظراً للمسلمين » .