محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

23

الإنجاد في أبواب الجهاد

وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [ البقرة : 190 ] ، أي : قاتلوا من قاتلكم ، وكُفَّوا عمَّن كفَّ عنكم ، لا تعتدوا بقتاله . هذا أحد التأويلات في الآية . قال إسماعيل : إنما أَذِنَ الله - تبارك اسمه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - في القتال بعد قدومه المدينة ، ثم أُمِرَ - صلى الله عليه وسلم - بالقتال على أحوالٍ كانت ؛ كان يؤمر فيها بالقتال ، فمنها - والله أعلم - هذه الآية وغيرها ، يعني : قوله - تعالى - : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا } [ البقرة : 190 ] ، ثُمَّ نسِخ ذلك كلُّه ، وأمر بقتال المشركين كافَّة . وإلى ما ذكر القاضي إسماعيل ذهبَ كثيرٌ من أهل العلم في حمل الآيات الواردة في ذلك على أحوال ؛ فمنها قوله - تعالى - : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ } [ البقرة : 190 ] ، فهذا لم يؤذن فيه في قتال من لم يقاتل ، بل قال - تعالى - : { فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } [ النساء : 90 ] ، وقال - تعالى - فيمن يقاتل : { فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } [ النساء : 91 ] ، وكذلك قوله - تعالى - : { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } [ البقرة : 191 ] ، فلم يؤمروا أن يبدؤوهم عند المسجد الحرام بقتال ، حتى يكونوا هم يقاتلون ، وكذلك قوله - تعالى - : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ } [ التوبة : 123 ] ، ففي هذا بعض التوسيع عمّا تضمَّنتهُ الآي قبل هذا ؛ من أنه لا يُقاتلُ إلا من قاتل ، فكان الأمر هنا أعمَّ في الكفار الأدْنَين ، فالآية تتضمن قتالهم على كل حال ؛ قاتلوا أو لم يُقاتلوا ، ثم نَسَخَ الله - تعالى - كلَّ كفٍّ ومهادنةٍ بقي في أمر الكفار بعد الإمهال والإعذار ، وإيعاب البلاغ والإنذار ، فقال - تعالى - : { فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } [ التوبة : 5 ] ، وقال - تعالى - : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ

--> = أبي حاتم في « تفسيره » ( 1 / 325 / رقم 1719 ) عن الربيع ، عن أبي العالية ، من قوله .