محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
24
الإنجاد في أبواب الجهاد
كُلُّهُ لله } [ الأنفال : 39 ] ، وقال - تعالى - : { وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } [ التوبة : 36 ] ( 1 ) . فصلٌ : في بيان ما استقرّ عليه الأمر بالجهاد اختلف أهل العلم في مقتضى الآيات الواردة بالتشديد والتعميم في الأمر
--> ( 1 ) ذكر الإمام ابن جرير في « التفسير » ( 2 / 189 - 190 ) قول من قال بالنسخ ، وقول من قال : يقاتل من قاتله ، ويكفّ عمَّن كفَّ عنه ، حتى نزلت آية التوبة . وأخرج بسنده إلى سعيد بن عبد العزيز قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن أرطاة : إني وجدت آية في كتاب الله { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [ البقرة : 190 ] أي : لا تقاتل من لا يقاتلك ، يعني : النساء ، والصبيان ، والرهبان . ثم قال : وأولى هذين القولين بالصواب : القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز ؛ لأن دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكم ، والتحكم لا يعجز عنه أحد . فتأويل الآية إذا كان الأمر على ماوصفنا : وقاتلوا أيها المؤمنون في سبيل الله ، وسبيله : طريقه الذي أوضحه ، ودينه الذي شرعه لعباده ، يقول لهم تعالى ذكره : قاتلوا في طاعتي ، وعلى ما شرعت لكم من ديني ، وادعوا إليه من ولى عنه ، واستكبر بالأيدي والألسن ، حتى ينيبوا إلى طاعتي ، أو يعطوكم الجزية صغاراً إن كانوا أهل كتاب . وأمرهم - تعالى ذكره - بقتال من كان فيه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن فيه قتال من نسائهم وذراريهم ، فإنهم أموال وخول لهم إذا غلب المقاتلون منهم فقهروا ، فذلك معنى قوله : { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } [ البقرة : 190 ] ؛ لأنه أباح الكفّ عمن كفّ ، فلم يقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب ، على إعطاء الجزية صغاراً . فمعنى قوله { وَلاَ تَعْتَدُواْ } : لا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابين والمجوس ، { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } : الذين يجاوزون حدوده . فيستحلون ما حرمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حرم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم . وانظر : « تفسير ابن كثير » ( 1 / 242 ) . وسيأتي في الباب كلام للمصنف أنه لا نسخ في آية القتال ولا آية الكف ، ولا المنّ ولا الفداء ، وأنها كلها محكمة ، وأن إعمال بعض الآيات دون بعض يكون في بعض المواطن في القتال دون بعض ، وأن هذا راجع إلى رأي الإمام في ذلك ، وهو الصواب ، والله الموفّق والهادي .