محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
219
الإنجاد في أبواب الجهاد
* مسألة : إذا شَكَّ المسلمون في عدد عدوهم ؛ هل زاد على الضِّعف أو لا ؟ حَرُمَ التولّي - أيضاً - ، حتى يقع اليقين الذي لا شكَّ فيه أنهم أكثر من مثليهم ، والدليل على ذلك : أن الله - تعالى - أوجب الثبوت عند اللقاء ، وحرَّم التولي ، ولم يجعل في ذلك رخصةً إلا بعد الزيادة على الضِّعف ، فما لم يُحقَّق ذلك فلم ينتقل عن الأصل ، ولا وجد شرط الرخصة ؛ فكان التولي ممنوعاً ( 1 ) . * مسألة : إذا زاد العدو على الضِّعف في العدد ، إلا أنهم مع ذلك ضعفاء في أبدانهم ، ودوابهم ، وسلاحهم ، ضَعْفاً بيِّناً ، أو كانوا ممن لا يعرف الحرب ، ولا كبير غناء عندهم ، وما أشبه ذلك ، مما يُعلم في العادة أن المسلمين الذين لَقوهم لا يشقُّ عليهم مغالبتهم مع كثرة عددهم ، ولا يضعفون عن مقاومتهم ، لما هم عليه من القوّة والشوكة والقيام بالحرب ، وما أشبه ذلك ؛ فالتولي عنهم والفرار أمامهم حرامٌ - أيضاً - ( 2 ) ، والدليل عليه : أن الله - تعالى - أمر بالثبوت عند اللِّقاء ، وإنَّما أرخص فيما زاد على الضِّعف تخفيفاً ، إذا كان في المسلمين الذين لقوهم ضعْفٌ عن مقاومتهم . قال الله - سبحانه - : { الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكمُ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } [ الأنفال : 66 ] ، فإذا لم يكن فيهم ضَعْفٌ عن لقاء مثلهم ، بل ربّما شهدت الحال باستيلاء المسلمين عليهم إذا صدفوهم ، فالتولي حرام ؛ لأن علَّة التخفيف هنا لم توجد ، مع ما في الفرار عن مثل هؤلاء من التهاونِ بالدِّين ، وتجرئةِ الكفار على المسلمين .
--> = المراد : لا يُغلب اثنا عشر ألفاً من قلة بالنسبة لزمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فاثنا عشر ألفاً في ذلك الزمن يعتبرون في حدّ الكثرة ، ولذلك ضمن له النصر إذا صحّت النيات . ( 1 ) يخرَّج هذا الفرع على قاعدة ( اليقين لا يزول بالشك ) . ( 2 ) انظر : « النوادر والزيادات » ( 3 / 50 ) ، وتقرير المصنف يدل على أنه يرجح أن الضِّعْفَ يكون في القوة والجَلَد ، لا في العدد . . . ، « الذخيرة » ( 3 / 411 ) - وفيه : « قال إمام الحرمين من الشافعية : إذا تيقن المسلمون أنهم لا يؤثرون شيئاً البتة ، وأنهم يقتلون من غير نكاية العدو ، ولا أثر أصلاً ، وجبت الهزيمة من غير خلاف بين العلماء ، وهو متّجه » - .