محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
220
الإنجاد في أبواب الجهاد
ولهذا المعنى نقول : إن الفرار أبداً لا يحل ، وإن زاد المشركون على الضِّعف ، ما دام المسلمون بهم قوة عليهم ، ولهم رجاء في الإحاطة بهم ، والامتناع منهم ؛ لأن التخفيف إنما جعل لما يكون من الضَّعْفِ عنهم ، ورَفْعاً لتكليف ما يشق من الصَّبْر على مقاومتهم ، والله أعلم . وروي عن مالكٍ أنه قال : « لا يجوز الانحياز إلا عن خوفٍ بَيِّنٍ وضَعف » ( 1 ) . وأما على مذهب من يعتبر في مراعاة المثلين : القوة والجَلَد ( 2 ) ، فلا يخفَى أن الثبوت واجبٌ في مثل هؤلاء ، وإن زادوا في العدد على الضِّعف ، والفرار عنهم حرام . * مسألة : إذا لَقي المسلمون مِثْلي عددهم من الكفار ، دون زائدٍ عليهم ، لكن كان لقاؤهم إياهم بأرض العدو ، وفي موضع تكاثر جَمْعهم ، وإمدادِ بعضهم بعضاً ؛ لتعاقب ديارهم ، وتضافر أعدادهم ، فهم يخافون استجاشتهم عليهم وإجلابهم ؛ فقد قيل : إن لهم في التولية سعَة ( 3 ) . وأقول : إنه لا يباح لهم الفرار ، ولا سَعَة لهم في التولِّي عنهم ، إلا أن يتزايد جمعهم ، حتى يزيدوا على الضِّعف ، والدليل على ذلك : أن التخفيف والرخصة في التولِّي إنما أبيح فيما زاد على الضِّعف ، وما لم ينتهِ العدد إلى ذلك ؛ فهم مخاطبون بالثبوت والصبر ، والله أعلم . * * * * *
--> ( 1 ) « النوادر والزيادات » ( 3 / 51 ) ، وفيه : « وقال ابن المواز ، عن مالك : لا يجوز الانحياز إلا عن خوفٍ بَيِّن ، وعن جيش مستطلع ، وضعفٍ من السلطان ، فأمَّا عن أمر متناصفٍ في الغلبة لهم طمع ؛ فلا ، ولا يكون لأمير الجيش ما يكون للسرايا من الانحراف والتولِّي عنهم . قال : ولهم سعةٌ أن يثبتوا لقتال أكثر من الضعفين والثلاثة ، وأكثر من أضعاف كثيرة ، وهم يجدون مصرفاً عنهم » . ( 2 ) كما هو مذهب الشافعية . وقد مضى ذكر ذلك . ( 3 ) « النوادر والزيادات » ( 3 / 50 ) .