محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
161
الإنجاد في أبواب الجهاد
وقال أحمد بن حنبل بنحوه ( 1 ) ، وكره مالكٌ أن يقاتلوا على مثل هذا ، ولا ينبغي لمسلمٍ أن يُهْريق دمه إلا في حق ( 2 ) ، ونحوهُ قال أصحاب الرأي ( 3 ) : لا ينبغي للمسلمين المستأمنين أن يقاتلوا معهم إلا أن يخافوا على أنفسهم من قَبْل أنَّ حكم أهل الحرب هو الغالب ، وكان الشافعي ( 4 ) يقول في الأسارى : يُشترط لهم أن يخلَّوا إذا قاتلوا معهم ، قد قيل : يقاتلونهم . ولو قال قائل : يكره قتالهم ، كان مذهباً . فأقول : إنَّ الوَجْهَ كراهةُ قتالهم معهم ؛ لأن قتال الكفار إنما شُرِعَ لإعلاء كلمة الإسلام والدعاءِ إليه ، لا لإعلاءِ كُفرٍ على كُفرٍ ، بل لا يجوزُ لمجردِ الغَلبةِ والنَّيل منهم على الإطلاق ، ألاَ ترى أنَّ الدعوة تَجِبُ قبلَ ذلك فيمن لم تبلغه باتفاق ، فقتالهم معهم لم يكن لذلك ، بل هو عونٌ للكفار على الكُفَّار ، وذلك غير مشروع ، إلا أن يكون عن أهلِ ذمَّةٍ من المسلمين ، فيدافعُ عدوّهم عنهم ، فذلك من إعلاء حُرمة الإسلام ، والقيام بحدوده ، وأما من أباح ذلك إذا شرطوا لهم أن يُخَلّوا عنهم ، فتغليبٌ لأحد المكروهين على الآخر ؛ لأن إقامتهم تحت أسر الكفار لا يحل لهم ، متى أمكنهم سبيلٌ إلى التخلص ، كبذل المال في الفداء ونحوه . في النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض الحرب قوله - تعالى - : { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ . لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ } [ الواقعة : 79 ] .
--> ( 1 ) نقل ابن المنذر في « الأوسط » ( 12 / 70 ) عنه قوله : « إن قال لهم : أخلّي عنكم ، فلا بأس ، رجاء أن ينجون . قيل له : فإن قال : أُعطيكم وأحسن إليكم . قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « من قاتل لتكون كلمة الله . . . » لا أدري » . وانظر : « المغني » ( 13 / 185 - ط . هجر ) . ( 2 ) نقله ابن المنذر في « الأوسط » ( 12 / 69 ) عنه . ( 3 ) انظر : « مختصر اختلاف العلماء » ( 3 / 454 ) ، « الأوسط » ( 12 / 69 ) . ( 4 ) قال ابن المنذر في « الأوسط » ( 12 / 69 ) : « وكان الشافعي يقول : قد قيل : يقاتلونهم . وقيل : قد قاتل الزبير وأصحاب له ببلاد الحبشة مشركين عن المشركين ، ولو قال قائل : يكره قتالهم ، كان مذهباً » .