محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
157
الإنجاد في أبواب الجهاد
فلا تبرحوا مكانكم هذا ، حتَّى أُرسلَ إليكم ، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأَوْطَأناهُم ، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم ، فهزموهم . . . » الحديث بطوله . وكان يقال : لا تهمل التَّعبئَةَ ( 1 ) عند المناوشة ؛ فإنَّ فساد التَّعبئة من أعظم الخلل ( 2 ) ، وقيل : لا تجعل النهر وراءك عند الزَّحف . يعني : لما يتقى من كَرَّة العدو ، ومضايقة الزَّحف ، فيكون في ذلك الهلاك ، وكذلك كل شيء يُتقى منه ما يُتَّقى من كَرَّةٍ عند المضايقة والحاجة إلى التوسع ، ومجال التَّحَيُّز ، وما يُخشى من النُّكوصِ ، وشبه ذلك ، فالحزم بالإعداد لذلك كلِّه هو الأوْلى ( 3 ) . في كراهة الاستعانة بالمشركين قال الله - تعالى - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ المائدة : 57 ] ، وقال - تعالى - : { وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } [ النساء : 89 ] . وخرَّج مسلم ( 4 ) ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
--> ( 1 ) التعبئة المقصودة هنا ، هي : صف الجند في مواقفهم بين الميمنة والميسرة ، وغيرهما من أجزاء الجيش ؛ ليكون مستعداً للاشتراك فوراً في أي قتال إذا ألجأته الضرورة إليه ، انظر تسمية أصول أجزائها في ( الباب الحادي عشر ) من « مختصر سياسة الحروب » للهرثمي صاحب المأمون ( ص 26 - 27 ) . ( 2 ) قال الهرثمي في « مختصر سياسة الحروب » ( ص 25 - 26 ) : « قالوا : إذا كان العدو منك على خمس مراحل أو نحوها ، فلا يكونن مسيرك ونزولك إلا على تعبئة . كان أهل الحزم والتجربة يرون لصاحب الحرب ، أن يكون نزوله ومسيره بالتعبئة في الأمن كما يرونه في الخوف ، إلا أن يدع ذلك عن ضرورة ، ويرون ألا يخلو مما تيسر من التعبئة في الأمن على كل حال . ذكروا عن بعض أهل الحزم والتجربة ، أنه توجّه من الشام إلى الهند يريد المحاربة بها ، فخندق في أول منزلةٍ بالشام ، ثم لم يزل يسيرُ وينزل بالتعبئة والخنادق ، إلى أن أظفره الله بعدوه » . ( 3 ) انظر : « مختصر سياسة الحروب » ( ص 65 ) . ( 4 ) في كتاب الجهاد والسير ( باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر ) ( 1817 ) ( 150 ) .