محمد بن عبد المنعم الحميري

85

صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار

بلغ الفنش ما صنع ابن عباد ، فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية ، ويحصره في قصره ؛ فجرد جيشين جعل على أحدهما كلباً من مساعير كلابه وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس ، ويغير على تلك التخوم والجهات ، ثم يمر على لبلة إلى إشبيلية ، وجعل موعده إياه طريانة للاجتماع معه ؛ ثم زحف ابن فرذلند بنفسه في جيش آخر عرمرم ، فسلك طريقاً غير طريق صاحبه ، وكلاهما عاث في بلاد المسلمين وخرب ودمر ، حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم ، قبالة قصر ابن عباد ، وفي أيام مقامه هناك كتب إلى ابن عباد زارياً عليه : كثر بطول مقامي في مجلس الذبان ، واشتد على الحر ، فألقني من قصرك بمروحةٍ أروح بها على نفسي ، وأطرد بها الذباب عنى ! فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة : قرأت كتابك ، وفهمت خيلاءك وإعجابك ، وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية ، في أيدي الجيوش المرابطية ، تروح منك لا تروح عليك ، إن شاء الله ! فلما ترجم لا بن فرذلند توقيع ابن عباد في الجواب ، أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببالٍ . وفشا في بلاد الأندلس خبر توقيع ابن عباد ، وما أظهر من العزيمة على إجازة الصحراويين والاستظهار بهم على ابن فرذلند ، فاستبشر الناس ، وفتحت لهم أبواب الآمال ، وانفرد ابن عباد بتدبير ما عزم عليه من مداخلة يوسف بن تاشفين ، ورأت ملوك الطوائف بالأندلس ما عزم عليه من ذلك ، فمنهم من كتب إليه ، ومنهم من شافهه . كلهم يحذره سوء عاقبة ذلك ، وقالوا له : الملك عقيم ، والسيفان لا يجتمعان في غمدٍ واحدٍ ! فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً : رعى الجمال خير من رعى الخنازير ! أي أن كونه مأكولاً لابن تاشفين أسيراً يرعى جماله في الصحراء ، خير من كونه ممزقاً لابن فرذلند ، أسيراً يرعى خنازيره في قشتالة ؛ وكان