محمد بن عبد المنعم الحميري
86
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
مشهوراً برزانة الاعتقاد . وقال لعذاله ولوامه : يا قوم أنا من أمري على حالتين ، حالة يقين وحالة شكٍ ، ولا بد لي من إحداهما ؛ أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى ابن فرذلند ففي الممكن أن يفيالي ويبقيا على ، ويمكن ألا يفعلا ؛ فهذه حالة الشك . وأما حالة اليقين ، فهي أني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله ، وإن استندت إلى ابن فرذلند أسخطت الله ، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضى الله وآتي ما يسخطه ! وحينئذ أقصر أصحابه عن لومه . فلما عزم خاطب جاريه المتوكل عمر بن محمد صاحب بطليوس ، وعبد الله بن حبوس ابن ماكسن الصنهاجي صاحب إغرناطة ، يأمرهما أن يبعث إليه كل واحدٍ منهما قاضي حضرته ، ففعلا ؛ ثم استحضر قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد الله بن أدهم ، وكان أعقل أهل زمانه ؛ فلما اجتمع القضاة عنده بإشبيلية ، أضاف إليهم وزيره أبا بكر ابن زيدون ، وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين ، وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف ، وترغيبه في الجهاد ؛ وأسند إلى ابن زيدون ما لا بد منه في تلك السفارة ، من إبرام العقود السلطانية . وكان يوسف بن تاشفين لا تزال تفد عليه وفود ثغور الأندلس ، مستعطفين ، مجهشين بالبكاء ، ناشدين الله والإسلام ، مستنجدين بفقهاء حضرته ، ووزراء دولته ، فيستمع إليهم ، ويصغى لقولهم ، وترق نفسه لهم ؛ فما عبرت رسل ابن عباد البحر إلا ورسل يوسف بالمرصاد ؛ وقد آذن صاحب سبتة بقصده الغزو ، وتشوقه إلى نصرة أهل الإسلام بالأندلس ، وسأله أن يخلى الجيوش تجوز في المجاز ؛ فتعذر عليه ، فشكاه يوسف إلى الفقهاء ، فأفتوا أجمعين بما لا يسر صاحب سبتة . ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم ، وأكرم مثواهم ، وجددوا الفتوى