محمد بن عبد المنعم الحميري

84

صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار

وكان السبب في ذلك فساد الصلح المنقعد بين الطاغية وبين المعتمد ؛ فإن المعتمد اشتغل عن أداء الضريبة في الوقت الذي صارت عادته يؤديها فيه ، بغزو ابن صمادح صاحب المرية ، واستنفاده ما في يديه بسبب ذلك ، فتأخر لأجل ذلك أداء الإتاوة عن وقتها ، فاستشاط الطاغية غضباً ، وتشطط فطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة ، وأمعن في التجنى ، فسأل في دخول امرأته القمطيجة إلى جامع قرطبة لتلد فيه من حملٍ كان بها ، حيث أشار إليه بذلك القسيسون والأساقفة ، لمكان كنيسةٍ كانت في الجانب الغربي منه ، ومعظمةٍ عندهم ، عمل المسلمون عليها الجامع الأعظم ؛ وسأل أن تنزل امرأته المذكورة بمدينة الزهراء غربي مدينة قرطبة ، تنزل بها فتختلف منها إلى الجامع المذكور ، حتى تكون تلك الولادة بين طيب نسيم الزهراء ، وفضيلة ذلك الموضع الموصوف من الجامع ، وزعم أن الأطباء ، أشاروا عليه بالولادة في الزهراء ، كما أشار عليه القسيسون بالجامع ، وسفر بذلك بينهما يهودي ، وكان وزيراً لابن فرذلند ، فتكلم بين يدي المعتمد ببعض ما جاء به من عند صاحبه ، فأيأسه ابن عباد من جميع ذلك ، فأغلظ له اليهودي في القول ، وشافهه بما لم يحتمله ، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه ، فأنزلها على رأس اليهودي ، فألقى دماغه في حلقه ، وأمر به فصلب منكوساً بقرطبة . واستفتى ابن عباد الفقهاء لما سكت عنه الغضب ، عن حكم ما فعله باليهودي ، فبادره الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك ، لتعدى الرسول حدود الرسالة إلى ما يستوجب له القتل ، إذ ليس له أن يفعل ما فعل ؛ وقال للفقهاء حين خرجوا : إنما بادرت بالفتوى خوفاً أن يكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدو ، وعسى الله أن يجعل في عمزيمته للمسلمين فرجاً !