محمد بن عبد المنعم الحميري

82

صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار

في المدة القريبة وقامت فيها الأسواق ، وكثرت فيها الأرزاق ؛ وتنافس الناس في النزول بأكنافها ، والحلول بأطرافها ؛ للدنو من صاحب الدولة ، وتناهى الغلو في البناء حوله ؛ حتى اتصلت أرباضها بأرباض قرطبة ، وكان الفراغ منها في سنة 370 . وفي هذه السنة نزل فيها بخاصته ، وعامته ؛ وخلع الخليفة إلا من الاسم الخلافي ، وصير ذلك هو الرسم العافي ؛ ورتب فيها جلوس وزرائه ، ورؤوس أمرائه ؛ وكبت إلى الأقطار بالأندلس والعدوة في أن تحمل إلى مدينته تلك الأموال الجبايات ، ويقصدها أصحاب الولايات ؛ فحشد إليها الناس من جميع الأقطار ، وحجر على خليفته كل تدبير ؛ واتفق له ذلك بسرعة بطشه ، وأقام الخليفة منذ نقل عنه الملك إلى قصر الزاهرة مهجور الفنا ، محجور الغنا ؛ خفى الذكر ، مسدود الباب ، محجوب الشخص ، لا يخاف منه بأس ولا يرجى منه إنعام ، وليس له إلا الرسم السلطاني في السكة والدعوة والاسم الخلافي ، وأزال أطماع الناس منه ، وصيرهم لا يعرفونه ، واشتد ملكه منذ نزل قصر الزاهرة ؛ وتوسع مع الأيام في تشييد أبنيتها ، وتنجيد أفنيتها ؛ حتى كملت أحسن كمال ، وجاءت في نهاية الحسن والجمال ؛ وما زالت هذه المدينة رائقةً متناسقة السعود ، تراوحها الفتوح وتغاديها ، لا توجه منها راية إلا إلى فتح ، ولا يصدر عنها تدبير إلا إلا بنجح ؛ إلى أن حان يومها العصيب ، وقيض لها من المكروه أوفر نصيب ؛ فتولت فقيده ، وخلت من بهجتها كل عقيدة .