محمد بن عبد المنعم الحميري
57
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
بيّاسة بالأندلس أيضاً : بينها وبين جيان عشرون ميلاً ، وكل واحدةٍ منهما تظهر من الأخرى ؛ وبياسة على كديةٍ من ترابٍ ، مطلةٍ على النهر الكبير المنحدر إلى قرطبة ، وهي مدينة ذات أسوارٍ وأسواقٍ ومتاجر ، وحولها زراعات ، ومستغلات الزعفران بها كثيرة . وفي سنة 623 ، ملك الروم بياسة يوم عرفة من ذي حجتها ، وكان صاحب جيان إذ ذاك عبد الله بن محمد بن عمر بن عبد المؤمن ، قد تغير له عبد الله العادل بن المنصور ، صاحب إشبيلية ، فخافه فخرج إلى بياسة ودخلها ، وكلم أهلها في مساعدته وامتناعه بهم ، إلى أن يأخذ لنفسه الأمان ، فساعدوه على مراده ، ومنعوه عن رأيه ، فجهز إليه العادل العساكر ، وقدم عليهم إدريس بن المنصور ؛ فلما نزلوا بظاهر بياسة مكثوا عليها أياماً ، والزمان شاتٍ ، فلم يغنوا شيئاً ؛ وأرد عبد الله صاحب بياسة تفريق ذلك الجمع بما أمكن ، فداخله بأن صالحة على أن يدفع له ابناً صغيراً ليكون رهينة لديه بطاعته ؛ فوجد إدريس السبيل إلى الانصراف عنه ، وكان أكبر همه ؛ إذ قد جهده وأصحابه شدة البرد ونزول المطر ، إلى ما كانوا يخافونه من مد النهر ، ووصول روم طليطلة ، الذين كانوا أولياء لصاحب بياسة ، وأنصاراً له ؛ فخاف أن يدعو بهم ، فيلبوه ، إذ كان حصل من أنفسهم محلاً كثيراً لشجاعته ؛ فارتحل أبو العلاء لذلك ، ورأى أنه قد صنع شيئاً ، وأنه قد أقام عذره فلما وصل إلى إشبيلية ، استقصر فعله ، واستهجن رأيه ، وبقي عندهم كالخامل المتخوف .