محمد بن عبد المنعم الحميري
58
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
ثم جهزوا بعده جيشاً آخر إلى بياسة ، قدموا عليه عثمان بن أبي حفص ، فسار حتى بلغ قبلي بياسة ، خلف النهر الكبير ، على خمسة أميال من بياسة ، فبرز إليهم دون المائة من فرسان عبد الله صاحب بياسة ، ومن الروم الذين معه ؛ فلما رأوهم انهزموا ، وولوا الأدبار ، ولم يجتمع منهم أحد ؛ وبقى صاحب بياسة ببلده ، ولا أحد يرومه ، إلى أن تملك قرطبة ومالقة وغيرهما ؛ وكاد يستولى على الأمر لو ساعده القدر ، وخرج فأوقع بأهل إشبيلية بفحص القصر سنة 622 ، وقتل منهم نحواً من ألفي رجل ، وانصرف عنها مكسوراً مفلولاً . وقد كان أدخل الروم قصبة بياسة وأسكنهم فيها ، والمسلمون معهم في سائر المدينة ، وكان دفعه القصبة إليهم على سبيل الرهن في مال كان تعين لهم عليه ؛ فبقوا في القصبة ساكنين ، والمسلمون في البلد يداخلونهم ويعاملونهم ، وهو إذ ذاك في قرطبة مقيم ؛ فلما غزا إشبيلية وانصرف عنه مفلولاً مكسوراً ، ثار به أهل قرطبة ؛ إذ توهموا أنه يريد إدخال النصارى مدينتهم ، فخرج عنهم فاراً إلى الحصن المدور فأقام هناك ، وبقيت قصبة بياسة بيد الروم وغلق الرهن ، وأحب أهل بياسة إخراج الروم عن قصبتهم ، فداخلوا صاحب جيان عمر بن عيسى بن أبي حفص بن يحيى ، وسألوه المسير إليهم في جموعه ، فجاءهم بحشوده ومعه محمد بن يوسف المسكدالي ، فدخلوا بياسة ، وأما من كان بالقصبة من الروم فلم ينالوا شيئاً ، وأما من كان منهم بالمدينة فأتى عليها القتل بعد أن أبلوا في الدفاع ، إلا أنهم غلبوا بالكثرة ، وبقي أهل القصبة لا يستطيع أحد الوصول إليهم لحصانتها ، ولو أراد الله تعالى لوفق هذا الوالي المقام ؛ فإن أهل