الشيخ الجواهري

المقدمة 20

جواهر الكلام

في أواخر أيامه تيمنا لا حضور التلميذ المستفيد ، ولذا كان يعبر عنه في كتبه ببعض المعاصرين لا أكثر ، ولما رأى شيخنا فيه الأهلية لهذا المنصب الإلهي في علمه وتقواه وورعه قدمه على جميع تلامذته ، فكان في اختياره موفقا كل التوفيق ، وأعطى بذلك درسا بليغا في القدسية ونكران الذات لا ينسى تغمده الله تعالى برحمته . ومن الأمور الجليلة التي استغل فيها نفوذه للصالح العام واستعمل كل براعته فتح النهر المعروف باسمه لا رواء النجف التي كانت تعاني من العطش ما تعاني من قرون طويلة . فإنه رحمه الله فكر أن يفتح من نهر الفرات قناة كبيرة إلى وادي النجف مهما كلفه الأمر ، ولما قيل له أن هذا المشروع يتطلب نفقات هائلة يعجز عنها الملوك إذ يجب حفر القناة إلى مقدار عمق الآبار النجفية - قال : اعلم بمقدار ما يتطلب من مال وقد قدرت له ما يقابل وزن ما أخرجه من الرمل ذهبا ، فهل هذا لا يكفي أيضا ؟ هذا هو التصميم والإرادة الجبارة التي تذلل كل صعب . وبالفعل تم حفر النهر المعروف باسمه الواقع على يسار الذاهب إلى الكوفة قرب سور النجف ، وقد شهدنا آثاره قبل أن تمتد دور الجديدة إليه ، ومنبعه يتصل يا راضي بني حسن العشيرة المعروفة . وجرى الماء فيه حتى قيل أن الشيخ مناع المعروف بطول القامة ( الذي كان يهتف به الناس باللغة الدارجة : شيخ مناع . رأسك بالسما ورجليك بالكاع ) أنزله الشيخ إلى النهر لقياس عمق الماء فغمره الماء إلى أعلى أطراف أصابعه وهو رافع يديه . وكان الشيخ مناع يتحدث بهذه المكرمة لنفسه ، وقد عمر بعد هذا إلى زمن طويل حتى أدركه أحفاد الشيخ وسمعوا منه القصة منهم العلم المعروف الشيخ محسن ابن الشيخ شريف الجواهري . ولكن النهر كانت تعوزه أمور فنية غير متهيئة في ذلك العصر ، فقضت عليه بسرعة إذ انهارت الرمال في كثير من مواقعه . ولم ينفع معها بعده قيام تلميذه الجليل السيد أسد الله الأصفهاني علم أصفهان المعروف ، إذ سعى - بعد أن زار النجف بعد